عام جديد - قديم

يطل علينا العام 2014 بملفات متفجرة، واستحقاقات داخلية وخارجية حرجة، بعد أن تجاوز الأردن بأقل التكاليف السياسية-الاقتصادية-الاجتماعية، ارتدادات الهزّات الثورية التي تدخل عامها الثالث في دول المنطقة.اضافة اعلان
طوت السنة 2013 أوراق رزنامتها على نحو أفضل نسبيا مقارنة بسابقتيها. آنذاك، اشتدت وتيرة الحراك الداخلي السياسي والمجتمعي بتلاوينه كافة، منذرا بتداعيات على مختلف الأصعدة. اليوم، يتنفس المسؤولون الصعداء. ذلك أن مركز القرار نجح في ضبط إيقاع مسار الإصلاح السياسي، بإرجاعه إلى مستويات آمنة ومتدرجة. وأعاد في السياق أصحاب الفكر السياسي التقليدي المحافظ إلى المناصب الحساسة.
عوامل كثيرة صبّت في هذا المآل:
- الرعاية الإلهية التي حفظت وتحفظ بلدنا، وقيادته الشرعية التي تبقى موضع إجماع.
- الدعم المادي والسياسي الاستراتيجي من الحلفاء؛ هدفهم الأساسي يبقى حماية مصالحهم الأمنية والوطنية الاستراتيجية، من خلال أردن وسطي ومعتدل ومستقر.
- المسار غير الآمن الذي اختطته دول في المنطقة منذ هبوب رياح التغيير، ما أجّج مشاعر الخوف والقلق لدي غالبية الأردنيين غير الراضين عن حال بلادهم وسياساتها، بحسب استطلاعات الرأي.
فالمنغصات اليومية -برأي الغالبية- تظل أخف وطأة من الفوضى السياسية، وانفلات الأمن، والاقتتال الداخلي الذي ضرب دول التغيير؛ بدءا بمصر وتونس، مرورا بسورية واليمن، وانتهاء بليبيا. تضاف إلى ذلك تداعيات التجربة السياسية لصعود الإخوان المسلمين وإزاحتهم عن حكم مصر، وتأثير ذلك على إخوان الأردن.
- إصرار غالبية القائمين على الإعلام التقليدي، الخاص والعام، على تغييب دورهم الرقابي مقابل ضمان لقمة العيش، أو حماية نفوذهم ومصالحهم.
- استمرار غالبية وسائل الإعلام الجديد (الإلكتروني) في ارتكاب فضائح مهنية، وممارسة الابتزاز والتشهير والتخندق ونشر الشائعات، ما وفّر الحجج والمبررات لفرض الرقابة والتشريعات المقيدة.
- تداخل السلطات الثلاث، وإضعاف دور الأحزاب وغياب برامجها العملية، ثم محدودية فعالية المجتمع المدني، والانقسامات الأفقية والعمودية التي تمنع التوافق حول الإصلاح بمختلف أشكاله.
مع ذلك، مرّت التحديات الاقتصادية الداخلية بأقل التكاليف السياسية على الحكومة. إذ استطاع رئيس الوزراء اللعب ضمن المساحة المتوافرة بين شروط صندوق النقد الدولي ومتطلبات الأمن الداخلي. لكنه فشل في ضبط النفقات التشغيلية؛ قنبلة موقوتة في حضن الدولة. ورغم تدفق منح خارجية، فإن مؤشر الدين العام ارتفع إلى مستويات مقلقة.
حزمة القرارات السياسية والاقتصادية أبقت الأردن في عنق الزجاجة، مع بعض اللمسات التجميلية هنا وهناك. في العام الحالي لن تتغير التحديات.
العجز في الموازنة العامة سيتفاقم، حاله حال مستويات الدين العام الداخلي والخارجي، مع ارتفاع تحديات خدمة أقساط الدين. والنمو الاقتصادي لن يتجاوز فى أحسن الأحوال نسبة 3.5 %، وبما يقل عن نسبة التضخم والنمو السكاني.
كيف سيتم التعامل مع ذلك؟
الحكومة ستواصل التغني بزيادة احتياطات البنك المركزي من العملة الصعبة، والاعتماد على المنح، بخاصة الخليجية، لتمويل مشاريع رأسمالية في قطاع الطاقة والمياه والصحة والتعليم والاتصالات. وستواصل البحث عن عوائد جديدة، عن طريق رفع رسوم تصاريح العمال العرب والأجانب، وإلغاء الدعم عن غالبية السلع التي تمس الشرائح العليا والوسطى، ما عدا الخبز، لكي لا يتحرك الفقراء.
ستستمر الحكومة في العمل بالحد الأدنى لانتزاع شهادة حسن سيرة وسلوك اقتصاديين من صندوق النقد الدولي، كل ثلاثة أشهر. فمثلا، أحالت الحكومة مشروع قانون ضريبة جديد لمجلس الأمّة، بموجب اتفاق مع "الصندوق". لكنها تدرك أن ذلك لا يهددها، لأن البرلمان لن يسمح بزيادة الاقتطاعات الضريبية.
أزمة الطاقة ستبقى لغما موقوتا، رغم بعض الخطوات لتنويع مصادر الطاقة المتجددة، مثل الرياح، وإحالة عطاءين: لبناء أول مفاعل نووي لتوليد الطاقة، وميناء العقبة لتفريغ الغاز المسال من السفن إلى محطات توليد الكهرباء.
إذن، سنستمر في إدارة الأزمات الداخلية بسياسة الفزعة.
لكن لا حول ولا قوة للتعامل مع اللحظة التاريخية والخطرة والمعقدة التي تمس العالم العربي.
فما يحدث في سورية، قد يشكل مقدمة لتغييرات جوهرية وجذرية ستطاول المنطقة بأسرها. يقابل ذلك تراجع ملحوظ في نفوذ الولايات المتحدة، وقدرتها على التأثير في المنطقة، بالتوازي مع صفقة إيران؛ صاحبة المشروع القومي التوسعي.
واشنطن تتعامل مع إيران اليوم وكأنها مفتاح لحل قضايا المنطقة، رغم عتب دول الخليج وإسرائيل. وتبدو قادرة على إغضاب الرياض وغيرها من عواصم الخليج المعادية لإيران، لكنها لا تقدر على فعل ذلك مع تل أبيب، حليفها الاستراتيجي.
يفاقم التهديدات الإقليمية على الأردن تصدعات في منظومة الأمن القومي العربي، مع تسريب سيناريوهات حقيقية لتقطيع أوصال المنطقة، قائمة على خطوط النار والدم والدين والمذهب والعرق. يتبلور ذلك في سورية، مرورا بالعراق، فلبنان واليمن والسودان، وربما غيرها من الدول العربية. في المقابل، ثمة تنام لنفوذ الحركات الدينية المتشددة وانتشارها العابر للحدود. والأردن ليس بعيدا عنها.
من جهة، عمان محشورة بين مطرقة الملف السوري بتداعياته المختلفة (تدفق اللاجئين، وتأمين الحدود من مخاطر تسلل تنظيمات إسلامية متطرفة، وما قد يحصل قبل "جنيف2" وبعده)، وبين سندان خريطة طريق قيد الرسم وسط تكتم وسرية، للتوصل إلى تسوية سلمية على المسار الفلسطيني-الإسرئيلي، برعاية وزير الخارجية الأميركي جون كيري.
وفي حال عقد مؤتمر "جنيف2" في الثلث الأخير من هذا الشهر، فإن قلة من المسؤولين والدبلوماسيين يعولون على نجاح أول لقاء بين نظام بشار الأسد والمعارضة السورية، بفعل تداخل الأجندات الإقليمية والدولية. والحل عبر التفاوض قد يأخذ سنوات. وفي الأثناء، تزداد حدّة القتال سعيا لمراكمة مكتسبات في الميدان، فيما تتراجع وحدة سورية الجغرافية (تقسيم عملي)، ويتواصل فرار السوريين إلى دول الجوار. كما تتفاقم حدّة العصبيات العرقية والمذهبية في غالبية دول الإقليم.
غربا، بوادر صفقة سياسية تلوح في الأفق، بحسب بعض المسؤولين ودبلوماسيين عرب. لكنها لن تتجاوز سقف الممنوعات الإسرائيلية، ولا تحقق الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية والعربية. ما يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة بشأن نوع التسوية، وحدود الدولة الفلسطينية، والتعامل مع ملف اللاجئين والسيادة على القدس الشرقية. جميع ذلك يمس الأردن، وموضوع الهوية السياسية، والأمن، والاستقرار الداخلي.
السؤال المليوني برسم الإجابة، يتعلق بالجهة السياسية في الأردن التي ستتعامل مع، وتقرر في "موضوع مصيري وحالة استراتيجية عاطفية وطنية"، عنوانها: اللاجئون وحق العودة، وتبعات ذلك على الجبهة الداخلية المنقسمة أصلا.
المقلق أن آلية إدارة المشهد الداخلي، بتفاصيله كافة، لم تتغير خلال السنوات الماضية، ولن تتغير؛ حالها حال عقلية غالبية المسؤولين ممن يفضلون العمل على قاعدة الفزعة، من دون تصورات معمقة بشأن المتغيرات الداخلية، والتحولات الاستراتيجية المرتقبة، ومن دون مصارحة الشعب بالفرص والتحديات.
الواضح أن لا سلطان للأردن على العوامل الخارجية المقلقة. لكن الخشية من استمرار ربط الإصلاحات الداخلية، السياسية والاقتصادية، بالوضع الإقليمي المتفجر. فمتى ينظر بعض المسؤولين هنا إلى أبعد من أنوفهم؟ وهل يستبقون الاستحققات في الإقليم عبر إقرار إصلاحات حقيقية لتعزيز الجبهة الداخلية؟
فتجارب دول سابقة، آخرها العراق ثم سورية زمن حكم الحزب الواحد، أثبتت أن المنعة لصد المخاطر الخارجية لا تتحقق بقبضة حديدية من قبيل حرس جمهوري موال، أو بالاتكاء على ولاء شرائح من المجتمع، على حساب تأجيل الإصلاحات السياسية، واحترام حقوق الإنسان في دولة المواطنة والمؤسسات.
الجبهة الداخلية الهشة في هذين البلدين، ساهمت في شرذمة الأول، وزعزعة الثاني بين ليلة وضحاها.
طوق النجاة يكمن في جبهة داخلية صلبة، مع إعادة الاحترام لهيبة الدولة ورموزها ومؤسساتها. نحتاج إلى ردم الهوة بين الفعل والقول، وإعادة توزيع مكاسب التنمية. بعدها، يأتي ثقل تحالفاتنا العربية والدولية الاستراتيجية، الثابتة والمتحركة!

[email protected]

Rana_Sabbagh@