عام على الربيع العربي

قبل عام من الآن، وفي 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010، أضرم بائع خضار تونسي النار في نفسه احتجاجا على إجراءات أمنية منعته من الترزق، وثأرا لكرامته التي أهينت من جراء صفعة تلقاها على وجهه. واليوم، نقف ونحن ننظر إلى عالم عربي مختلف كليا عما كان، ومرشح لأن يستمر في التغير إلى أن نصل مرحلة تحكم المجتمعات فيها نفسها، وتسود درجة من العدل بين فئاتها.اضافة اعلان
سيُكتب عن هذا العام ما لم يُكتب عن شيء قبله في العصر الحديث، وسيجد الباحثون أن التحول الديمقراطي العربي لا يقل أهمية ولا تأثيرا في البناء السياسي للعالم العربي عن أحداث سابقة كالتي حدثت في الأعوام 1917، و1948، و1967، و1973، و1990، و2001. لكن الفرق أن معظم تلك السنوات شهدت مصائب أثرت سلبا على العرب والإقليم، في حين أن الربيع العربي على الأرجح سيكون ذا أثر إيجابي على العرب ودولهم، وسيعودون ليتبوأوا مكانتهم الحضارية التاريخية، ويسهموا في تقدّم الحضارة الإنسانية كما كانوا في سابق عهدهم عندما كانت حركة الترجمة كثيفة من العربية إلى غيرها من اللغات، فانعكس ذلك بسبب العبودية السياسية التي خضعت لها الشعوب العربية لقرون من الزمان.
ليس صعبا التكهن بمستقبل الربيع العربي، ولا معرفة تداعياته السياسية، فالثابت أنه ليس سحابة ستتبدد كما يتمنى كثير من الزعامات العربية وحاشيتها والمستفيدين من وجودها. والأرجح أن الربيع العربي سيغيّر خريطة المؤثرين السياسيين لصالح قوى جديدة شعبية صاعدة. وبالتزامن، فقواعد اللعبة ستتغير أيضا لتصبح أكثر ديمقراطية وتداولا وشفافية ونزاهة وعدالة، لأن هذا هو فحوى الإصلاح السياسي، وهذا ما جعل الديمقراطية أفضل نظام سياسي أنتجه العقل البشري، وجعله النظام السائد والمترسخ في دول العالم المتقدمة والمتفوقة.
الربيع العربي سيعيد القرار للمجتمعات، لذلك فهي ستطمئن وتشعر بشرعية من يحكمها. وصناع القرار سيقدمون أداء سياسيا واقتصاديا أفضل بكثير من السابق، لأنهم مراقبون ومحاسبون من قبل جمهور ناخبين لن يرحمهم. وكل هذا سيضع شعوب الربيع العربي على طريق التقدم والنماء والتحسن والتألق. قد تتيه بعض الشعوب لبرهة من الزمن، وقد ينزلق بعضها لشيء من الفوضى، ولكن إذا ما نجحت في ترسيخ ربيعها كما فعل التونسيون، فهي لا محالة فائزة فوزا عظيما.
تداعيات الربيع العربي إقليميا ليست بالأقل وضوحا؛ فدول الربيع العربي ستكون ميّالة إلى التعاون والسلم، وستكون أقدر على تعظيم مصالحها لأنها ستبني اقتصادات أقوى، وترسخ وحدة أصلب، وتنسج شبكة تحالفات تمدها بمزيد من الأمن. ومجتمعات الربيع العربي ستكون أكثر احتراما ومهابة على المستويين الإقليمي والدولي، وهي لذلك ستكون أقدر على الحفاظ على حقوقها واستعادتها. وهي وإن كانت لن تحارب إسرائيل أو تعادي الغرب، إلا أنها ستكون ندا سياسيا صلبا في وجههما، وتسهم بكفاية عالية في استعادة الحقوق العربية أينما أزهقت، وسيكون العالم مستجيبا ومحترما لذلك لأنه ضاق ذرعا بالمستبد الفاسد.
عندما نسمع خطاب المنصف المرزوقي التاريخي والتنويري الاستثنائي، ونعلم أن هذا العربي المسلم كان ملاحقا ومسجونا وممتهنة كرامته، ندرك أن الربيع العربي لا بد أن يكون طيبا، فهو الذي سيطلق طاقات الشعوب الكامنة ويعيد لها ما سلب منها من كرامة بغير وجه حق.

[email protected]