عبير: عقود من العزلة

بعد سنوات من العذاب والغربة، تجد عبير نفسها غريبة ومبعدة عن بلدها من جديد لأن جهة رسمية ما أضاعت أوراقها الثبوتية التي تمكنها من العودة لوطنها.إهمال الجهات المعنية حال دون فرصتها في إصدار جواز سفر جديد وهي المقيمة في سويسرا بعد رحلة اغتراب بدأت عام 1998. اضافة اعلان
معاناة عبير التي تبلغ من العمر اليوم 32 عاما، بدأت منذ سنوات عمرها الأولى، بعد أن صحت على الدنيا لتجد نفسها يتيمة الأب، وأمها غائبة تنصلت من مسؤوليتها تجاه أسرتها، وتوجهت إلى أسوأ المهن على وجه البسيطة. الإهمال كان قدر عبير منذ البدء، فأمها هجرتها وأسست لحياة بعيدة عن أطفالها، لتقضي عمرها تارة داخل أسوار السجن وتارة أخرى خارجها، أما أخواها فمسجونان ومدمنان على المخدرات.
الطفلة تغربت منذ نعومة أظفارها، لتجد نفسها وهي ذات السنوات الثلاث، مقيمة في إحدى دور الأيتام في معان، لتعيش هناك حكاية كبيرة مع الظلم والقهر، أبطالها معلمات الدار ومعلموها ممن كانوا يتفننون في تعذيب الأطفال والإساءة لبراءتهم.
بعد التخرج من الدار، يبدو أن القدر عطف على عبير، التي وجدت ملاذها في سيدة  نحترمها هي الفاضلة هدى أبو نوار، التي ساعدتها كغيرها من الصبايا خريجات دور الرعاية، للخروج إلى مكان أكثر أمنا وسلامة في بقعة أخرى من العالم بعيدا عن بلدهن، في سويسرا كان مقر عبير الجديد، وحياتها الثانية التي باشرتها بعد أن تم ترتيب أمورها مع جمعية ارض الإنسان السويسرية، وتمكنت من السفر، لترمي وراء ظهرها تعب السنين الطويلة، وهي الشابة التي رفضت الانجراف وراء  البيئة السيئة التي وجدت نفسها فيها بدون قصد.
وبعد سنوات من الدراسة والجهد، بدأت عبير العمل، لتعثر على شريك حياتها وهو أردني مقيم في سويسرا ليتزوجا، ويؤسسا أسرة مستقرة ولهما من الأولاد أربعة.
قبل ثلاث سنوات، حاولت عبير العودة إلى الأردن مجددا، إلا أن ضياع أوراقها الثبوتية "دفتر العائلة" منعها من إصدار جواز سفر جديد، ورغم المحاولات المتكررة من قبلها ومن خلال معارفها للحصول عليها، كان الفشل مصير كل الجهود حتى اليوم. لعبير مبلغ من المال ورثته عن جدها لأبيها، موجود اليوم لدى احد البنوك المحلية، وهي لا تقدر على  تحصيله لذات الأسباب، فهل من عون؟
كفى هذه الفتاة غربة وعذابا، ودعونا نحاول مرة واحدة مساعدتها لإخراجها من عزلتها التي مرت عليها عقود. لعبير حق على بلدها، ومطلوب من كل المسؤولين الاستجابة لطلبها البسيط والصغير الذي أنهكها، وتكاد تفقد الأمل في إمكانية تحقيقه، فهل نعيده لها ونفرح قلبها؟

[email protected]