عصام العطار والنموذجان السوري والعراقي

صعب أن تبني دولة على الأحقاد والثارات. هذا ما أثبتته التجربة العراقية في السنوات الأربع الماضية. تماما كما لا تبنى دولة بلا ذاكرة توثق ما فعله الظالم والمظلوم. ألمانيا واليابان ما كانتا لتتجاوزا كارثة الحرب العالمية الثانية لولا تسامح المجتمع مع بعضه وتسامح العالم معهما. دولة النبي محمد عليه الصلاة والسلام التي يفترض أن تكون هاديا لمن بعده قامت على أساس "اذهبوا فأنتم الطلقاء" فيوم فتح مكة أراده خالد يوم "الملحمة" لكن إرادة النبي مضت في اعتباره يوم "المرحمة". وبدأ بنفسه عندما استقبل قاتلة عمه سيد الشهداء حمزة، بقوله "هند الهنود آكلة الكبود"، فأجابته: "أنبي وحقود؟".

اضافة اعلان

الرسالة في تذكير هند هي ما كرره نلسون مانديلا عقب انتصاره على نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا "نغفر ولا ننسى". فمن حق الضحايا أن توثق سيرتهم. كما أن على المجرمين أن يدفعوا الثمن الأخلاقي لما اقترفوه. ذلك النموذج البشري لم ينقرض من عالمنا العربي والإسلامي، فوجئت وأنا أقرأ مدونة الزميل أحمد زيدان التي كتب فيها عن مقابلة مطولة مع عصام العطار المراقب العام الأسبق للأخوان المسلمين في سورية أن الرجل عفا عن قاتل زوجته بنان الطنطاوي بعد أن اعتقلته السلطات الألمانية. عفا وهو المبعد من بلاده منذ عقود.

كانت فرصة ذهبية للانتقام. فالقاتل وهو من المخابرات السورية جاء ليصفي العائلة المقيمة في آخن كاملة، فلم يجد إلا الزوجة العزلاء فقتلها بدم بارد. وبنان هي ابنة أديب الشام العلامة علي الطنطاوي الذي توفي ودفن في مكة غريبا عن وطنه الذي ابعد عنه أيضا، ويذكر لِبنان أنها ابتكرت الزي الشرعي المعروف حاليا. فالمرأة الدمشقية كانت تغطي وجهها وتكشف عن ساقها، خلافا لأمر النبي الذي أمر بستر الجسم خلا الوجه والكفين.

لاأزال اذكر خطاب العطار في مطلع الثمانينيات عقب اغتيال زوجته، يومها قال إنها لا تزيد عمن قتلن على يد النظام وأن أطفاله الذين تركتهم من خلفها لا يختلفون عمن يتّمهم النظام السوري. لكن لم أتوقع أن ترقى نفسية الرجل إلى درجة الصفح عمّن يتّم أطفاله فذاك مقام من الصعب أن يرقاه أكثر الناس الذين ينساقون وراء غرائز الانتقام.

سورية اليوم تحتاج أن يرتقي النظام وهو في عز المواجهة مع أميركا إلى مستوى العطار. فبدلا من ان تطالب حركة العدالة والبناء السورية الأمم المتحدة بالتحقيق في مجزرة حماة على النظام أن يحقق بها، تحقيقا مقرونا بالعفو العام. فالذين ارتكبوا أبشع مجزرة هم اليوم من ينادون بتحرير سورية.

طه ياسين رمضان يحكم بالإعدام لأنه نائب صدام حسين، ومجزرة الدجيل قضى فيها زهاء المائة والخمسين، أما عبدالحليم خدام ورفعت الأسد نائبا حافظ الأسد فيجولان العالم من دون رقيب ولا حسيب. الأسوأ أن يقدم خدام وكأنه البديل للنظام الدموي. وهو الذي كان الممسك بالملف اللبناني كاملا، وللعلم في حماة قضى أكثر من عشرين ألفا (المعارضة تقول أربعين ألفا) ودمرت المدينة بكاملها، ولم يحقق حتى الآن في المجزرة التي مضى عليها أكثر من ربع قرن.

سورية قد تكرر النموذج العراقي بصورة أفظع، وهي قادرة على صياغة نموذج جديد من خلال مصالحة شاملة أساسها "نغفر ولا ننسى". فالجرائم توثق ويحقق بها من دون ثارات وانتقام، وملايين المنفيين يعودون إلى بلدهم. بهذا تبنى الدول وتواجه العاديات. إن الحجة الوحيدة المتبقية للإدارة الأميركية للتدخل في سورية هي أن فيها نظاما قمعيا مثل نظام صدام، ولو أبطل النظام هذه الحجة لكسب المعركة في الداخل أولا قبل أن يكسبها في الخارج.

[email protected]