عقل الدولة الاقتصادي

كان من المفترض أن يكون الأردن إحدى الساحات الأساسية التي تستقبل الاستثمارات الخليجية التي خرجت من سورية على خلفية الأحداث المشتعلة هناك منذ نحو عامين. وكان من المفترض أيضا أن نجد ثمارا اقتصادية لمشاركتنا في التحالف العربي-الدولي الذي أسهم في إسقاط نظام العقيد الليبي معمر القذافي. هذه الثمار وتلك الاستثمارات لا تأتي، بالطبع، وحدها، بل تُستجلب ويُخطط بعناية وصبر لاستقطابها وتهيئة المناخات المناسبة لها، ووضع الخطط الترويجية التي تغريها بالمجيء إلى بلدنا. وأزعم أن أجهزة الدولة الإدارية والاقتصادية؛ أي عقلها الاقتصادي، ما يزال متكاسلا عن فعل ما يجب فعله. وهذا حسنُ ظن، كي لا نقول إنه ما يزال غافلا عما يجب أن يفعله إزاء تلك المهمات المنوطة به أولا قبل غيره.اضافة اعلان
حتى ما تعتبره الدولة حراكا وطنيا وحريصا وذا مطالب واقعية تستحق التعاطي معها بجدية واهتمام، لم يتمكن عقل الدولة الاستراتيجي من جعله رافدا لنا في الترويج لاستقطاب الاستثمارات، وتفعيل تنمية الصادرات البشرية الأردنية إلى الخارج، وعلى الأخص دول الخليج العربية.
عقل الدولة الأردنية الاقتصادي أمامه تحديات مهمة وصعبة؛ فبدلا من تكرار الحديث عن خسائرنا جرّاء الحراكات الشعبية والإصلاحية وجرّاء "الربيع العربي"، ينبغي توجيه الطاقات والجهود لإبداع أفكار وسياسات وآليات تستثمر في الحراكات، وتوظّف بيئة الاستقرار والأمن والانفتاح والمرونة التي يتميز بها الأردن، في إطار السعي لاستجلاب الاستثمارات ورؤوس الأموال الهاربة من مناطق الصراعات في المنطقة وفي دول الجوار.
التراجع في الموسم السياحي، وتجمّد حوالات المغتربين تقريبا، وتأخر المنح الإقليمية والدولية التي كانت مقررة للأردن، مسوغات قوية جدا للبحث عن البدائل، واستثمار مزايانا وعدم التفريط بها. ويعتبر إظهار بلدنا على أنه يقاوم الإصلاحات السياسية، على الضد من استثمار تلك المزايا وتنميتها.
عقل الدولة الاقتصادي، الذي أمامه عجز موازنة وصل إلى نحو ثلاثة مليارات دينار، يجب أن يتفادى الاستمرار في سياسة "إدارة الأزمات"، أو ما يسميه البعض "التخطيط بالمياومة"، والتغيير السريع للحكومات محفّز قوي على استمرار هذه العقلية.
الناس تتفق مع الحكومة على أن الوضع الاقتصادي صعب للغاية، ويحتاج إلى قرارات جريئة "وغير شعبية"، لكنهم يقولون: لماذا تكون القرارات "غير الشعبية" دائما من جيوب الفقراء، وليس من قبيل إعادة النظر جذريا في موضوع الهيئات المستقلة، التي تزيد على ستين هيئة ترهق موازنة الدولة؟ وإذا كانت البيروقراطية المعقدة من أهم ما يشكوه المستثمرون في الأردن، فإن هذا دافع قوي لإعادة النظر في تلك الهيئات التي يتم الدفاع عن بقائها بالحديث عن أنها مرنة وغير بيروقراطية.
العدالة الضريبية، وملف الهيئات المستقلة، والتوقف عن تغيير الحكومات بسرعة، وخلق مشاريع إنتاجية صغيرة مدعومة بدلا من الدعم النقدي، من شأنها أن تفتح بدائل أوسع من حصر الحل في معالجة تفاقم أزمة دعم الحكومة للمشتقات النفطية (800 مليون دينار).. أليس كذلك؟

[email protected]