على مسيحيينا سلام

على بوابة السنة الجديدة وأعياد الميلاد، نقف للتأكيد على أن المكون الاجتماعي المسيحي هو جزء أصيل في بنية المجتمع العربي، مؤكدين على الدور التاريخي والسياسي والثقافي لهذا المكون في تاريخنا وحركتنا الاجتماعية، رغم كل المحاولات الحثيثة لإقصائه؛ سواء كان ذلك، أولا، بجره نحو التغريب وعزله عن سياقه العربي، نتيجة للسياسات التي انتهجتها وتنتهجها القوى الغربية، لإيجاد موطئ قدم استعماري لها، عبر الخطاب الديني الذي يلعب بالعواطف ويؤصل لفكرة التفكك عبر الحديث عن الأقليات في المجتمعات التي ترى لها مصلحة سياسية واقتصادية وثقافية في تخريبها، من خلال بعض الفئات المسيحية المنفكة عن سياقها التاريخي العربي، والتي تعتقد أن فكرة خلاصها ومستقبلها ترتبط بمصالح الغرب، والارتباط العضوي به.اضافة اعلان
فيما يظهر الأسلوب الثاني في تزايد الخطاب التعبوي التنفيري ضد المسيحيين من قبل بعض الفئات المتطرفة دينيا من المسلمين، التي تمتلك رأسمال رمزيا في الفقه والتاريخ والثقافة الإسلامية. ولذلك، فهي لا تعرف جيدا أن المكون المسيحي في المجتمع العربي ليس طارئاً، وإنما هو جزء أصيل ذو امتداد تاريخي، تشتبك فيه همومنا وآمالنا وآلامنا ومستقبلنا في سياق هذا التنوع الديني والعرقي في إطار الوحدة. ومن يغفل هذه الحقيقة من المسلمين يخدم المشروع الغربي، عارفا بذلك أو جاهلا له. ففي الحالتين كلتيهما فإن هذا التفكير ستكون نتائجه كارثية علينا!
في حالة الربيع العربي، وقبلها احتلال بغداد، نشط الخطاب التعبوي، والدموي في أحيان أخرى، ضد المسيحيين. والمشهد يتكرر في سورية ومصر. وكل ذلك يصب في مصلحة تفريغ المنطقة من العنصر المسيحي وترهيبه، لمصلحة المشاريع الاستعمارية التي تطبخ في دوائر صنع القرار الغربية، وتنفذ بأدوات إسلامية في المنطقة، بهدف تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، لتحقيق ثقافة الانعزال والتطرف، وبالتالي تحقيق السيطرة.
من يُغفل دور المسيحيين العرب في حركة الفتح الإسلامي في الشام ومصر هو جاهل بمنطق التاريخ. ومن ينتقص من دورهم في حركة التحرر الوطني ضد الاستعمارين الإنجليزي والفرنسي في كل من مصر وسورية، ونضالهم ضد الاحتلال الصهيوني في فلسطين المحتلة، لا يعي حجم دورهم الطبيعي في تاريخ المنطقة.
فمسيحيو الشرق، كما اصطلح على تسميتهم مع التحفظ على هذا المصطلح جملة وتفصيلا، ليسوا -كما يشاع ويروج عبر الثقافة الغربية الاستشراقية- أقلية يجب التعاطي معهم وفق هذا المنطق؛ هم جزء أصيل ورئيس في حركتنا السياسية والحضارية والثقافية. فالحركة التنويرية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شاهد حيوي على دورهم التنويري الكبير في الحفاظ على مكونات الأمة الثقافية واللغوية، بعد أن أغفلت السلطنة العثمانية، عن قصد، الثقافة العربية، وجردتنا من كل ما يمت إلى لغتنا بصلة.
المسيحيون جزء أصيل في ثقافتنا وتاريخنا وحضارتنا، وليسوا أقلية تخضع لشروط التفاوض والمقامرة. وعلى مسيحيينا وعلينا سلام!

[email protected]