عمان لا تشبه المدن الأخرى

في الوقت الذي تتجه فيه المنطقة نحو مزيد من العنف والتطرف والشحن الطائفي، تأتي عمان لتقترح مزيدا من خيارات التسامح والمحبة والتعايش السلمي، واستقصاء العيش المشترك بين مكونات المجتمع.اضافة اعلان
إنها ليست قراءة تعسفية، بل واقع عبر عنه تنظيم "بوليفارد العبدلي" فعالية واسعة احتفالا بميلاد السيد المسيح عليه السلام. وهي المناسبة التي استقطبت جميع مكونات المجتمع الأردني، واندمج فيها الجميع بمحبة وتشاركية لا نجدها في كل ما يحيط بنا من دول.
المسلمون كانوا أكثر حضورا في المكان من المسيحيين، وشاركوا بحب، ومن غير عقد نجدها اليوم في جميع الأصوات التي تخرج علينا للتقوقع داخل الدين أو الطائفة، وأحيانا أخرى دعوات إقليمية وفئوية وجهوية ومناطقية، ترفض مبدأ المشاركة الإنسانية، وتقترح علينا شكلا معينا واحدا لمواجهة الحياة الواسعة التي لا يمكن أن نحددها بلون معين، حتى لو استثمرنا كل ما نملكه من جهد.
عمان هي أردن مصغر، تستطيع من خلال رصد نشاطاتها أن تتلمس اتجاهات الناس الفكرية، وهمومهم وأشكال اندماجهم في البلد ككل؛ وتستطيع أن تدرس منهجية النفس الأردنية التي تقبل الاختلاف، وتتصالح معه، ما دام ينبثق من نفس إنسانية سوية غير متطرفة.
صحيح أن الشطط قد أصاب بعضهم نتيجة عدم وضوح الرؤية في ما يحصل ببعض بلدان المنطقة، فضلا عن محاولات آخرين أن يحرفوا الصراع الأزلي الدائر منذ عقود مع عدو لاإنساني وهمجي وعنصري، باتجاه أشكال أخرى من الاختلافات المذهبية أو الدينية التي تقترح صراعا مع أطراف أخرى لم تكن مفهرسة في أجندتنا، إلا أن الحقيقة التي وعتها عمان، هي أن تبقى مدينة تعلي من قيمة الإنسان، وتحترم كينونته، ولا تحاول أن تفرق بين أي أحد اعتمادا على الاختلاف والمغايرة في الدين أو الطائفة أو اللون أو اللسان.
احتفالية "بوليفارد العبدلي" أهدتنا معرفة إضافية بأنفسنا، وبإمكانات بلدنا وناسه الجميلين، الذين يرفضون العسف والتطرف والقراءات الخاطئة للصدام.
نعترف بأن لدينا عشرات المشاكل البنيوية التي تحتاج إلى إعلان حالات عديدة من الطوارئ، لكي نستطيع العمل على تجاوزها. ولكننا بتنا متأكدين من أمر ضروري، وهو أننا من الصعب علينا أن ننخرط في الحالة الطائفية العنصرية التي تندرج فيها المنطقة منذ أكثر من عقد من الزمن؛ فلدينا حصانتنا الذاتية التي ترفض أن ترمينا في أتون حقد أسود لا يتماشى مع المعايير الأساسية للإنسانية السوية.
هذا كلام ليس للمزايدة، بل هو دعوة حقيقية لقطع أي يد تحاول أن تنتقص من وحدتنا الوطنية وسلمنا المجتمعي. وبالتالي، فإنه ينبغي لنا أن لا نكون متسامحين أبدا مع أي دعوات تحاول جرّنا لمناطق لا تشبهنا، أو إلغاء عقولنا وتسامحنا لمصلحة صراعات آنية لم نختبر جديتها حتى اللحظة.
ينبغي لنا أن تظل بوصلتنا صحيحة وغير مشبوهة، تتجه نحو عدو واحد حشد طاقاته على مدار قرن كامل لكي ينتقص من كينونتنا. وأن نظل متصالحين مع إخواننا في الوطن والمصير والعيش المشترك. لا نريد لمكون أساسي في المجتمع أن ينظر إلى شقيقه بريبة، وأن يظن، للحظة، أن الصدام بينهما آتٍ لا محالة.
تلك هي دروس عمان و"بوليفارد العبدلي" التي أحببناها، وتصالحنا معها تصالُحنا مع أنفسنا.

[email protected]