عمان وتحديات الجبال والأودية

العقبة الكبرى التي أظهرها المنخفض الثلجي الأخير، هي أن عمان مدينة عملاقة منتشرة على الجبال وفي الأودية، ما يجعل أزمة الثلوج بالغة التعقيد، وعصية على الحلّ. ففي هذه الجبال الشاهقة، وسفوحها الوعرة، وأوديتها الصعبة، يستحيل أن تقوم مدن كبرى، ومصالح دولة مركزية، وأسواق و"مولات" وفنادق وأبراج، وحركة هائلة يومياً إلى العاصمة من جميع أنحاء البلاد. اضافة اعلان
شوارع عمان لا تصلح للسير الكثيف حتى في الأحوال غير الماطرة، فضلا عن الثلوج الكثيفة. أما وقد كرست عمان مدينة عملاقة تكاد تكون هي الأردن؛ فإن أهم ما يجب الخروج به بعد هذه التجربة الثلجية، هو أنها بحاجة إلى تخطيط أكثر استحضارا لكونها عاصمة ومركزا يجتذب معظم سكان الأردن ومقيميه وزواره؛ وبحاجة أيضاً إلى حلول إبداعية تنسجم مع أنها مدينة استثنائية، مختلفة (ربما) عن جميع المدن الكبرى والعواصم في العالم.
لم يعد ممكنا تصور كيف يمكن تدبير حياة وأعمال ومصالح هذه الملايين التي تعيش في عمان، أو تزورها أو تأتي إليها كل يوم وتخرج منها؛ كيف يمكن استيعاب العدد الهائل من السيارات المتدفقة إليها، والكثير منها لا يصلح للسير ابتداء من غير طرق جبلية وأودية ومنعطفات خطرة، دعك من الأمطار والثلوج؟ وكيف تظل عمان، بعد كل هذا النمو الهائل، من غير شبكة نقل عام متطورة وملائمة، تتفق مع العدد الكبير لسكانها وزوارها، والحركة الهائلة اليومية فيها لأغراض العمل والتجارة والدراسة؟
وليس مفهوما بعد كيف خُططت الأسواق والمدارس الحكومية والخاصة، والمجمعات التجارية والحكومية؛ وإن كان المخططون لهذه المؤسسات قد وضعوا في حسبانهم حركة السير والمواقف والطبيعة الجغرافية للأمكنة! ولا يبدو أن الجبال والأودية قد أُخذت بالحسبان في تخطيط الأحياء والمباني والمرافق والخدمات والاحتياجات الأساسية.
عمان تبدو عشوائية أنيقة هائلة، لم تعد تصلح أن تكون مدينة كبرى. ولا يمكن حل أزمتها إلا بمراجعة استراتيجية لفكرتها وفلسفتها، تغير اتجاهات تمددها ووجهة انتشار السكن والمصالح والأعمال.
وتبدو البداية، بداهة، في تعزيز المدن والمحافظات، لتكون قادرة على الاحتفاظ بأهلها واجتذاب سكان جدداً؛ وأن يُردّ الاعتبار للسلوك التاريخي للمدن التي تزود نفسها بنفسها من معظم السلع والاحتياجات، على النحو الذي ينشئ فيها وحولها منظومة اجتماعية اقتصادية تقلل، إن لم توقف، حركة النقل العملاقة غير المعقولة إلى عمان. وكذلك إنشاء منظومات جديدة للسكن الوظيفي واتجاهات الإقامة والمرافق والخدمات؛ ما يجعل ممكنا إقامة الناس قريبا من أعمالهم ومصالحهم واحتياجاتهم، بلا حاجة إلى استخدام السيارات في الذهاب إلى العمل والمدارس والأسواق، والعودة منها.
وربما يكون الأفضل، ولا بأس في تكرار الاقتراح، أن تُنقل العاصمة إلى القطرانة!