عمل دائم ولائق للجميع

حددت الأمم المتحدة في رؤيتها للتنمية المستدامة وغاياتها للعام 2025، في سياق النمو الاقتصادي المطرد والشامل للجميع، توفير العمل الدائم والمنتج واللائق لجميع الناس، والقضاء على السخرة وعمالة الأطفال وتجنيدهم، والإتجار بالبشر، وتعزيز وإنشاء بيئة اقتصادية اجتماعية تضمن تحقيق هذه الأهداف. ومن أهم مكونات البيئة الحاضنة للعمل، تزويد المواطنين، في جميع أعمارهم ومستوياتهم، بالمهارات اللازمة لاستمرارهم في العمل ومواكبة التطورات الكبرى في التقنيات والأسواق المحيطة والمؤثرة على الأعمال.اضافة اعلان
هناك أساليب عمل كثيرة تحتاج إلى تغيير لتلائم أهداف التنمية. ويجب أيضا تطوير الأسواق وبيئة الأعمال لتكون أكثر استدامة وأمانا. ومن القطاعات التي تدعو الأمم المتحدة الى استهدافها: البناء والزراعة والسياحة؛ إذ ما يزال يغلب في هذه القطاعات من العمل الموسمية وغياب العقود والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، وبعضها أعمال شاقة وخطيرة تحتاج إلى تغيير الدور البشري فيها.
تحتاج التحولات الكبرى في سوق العمل إلى مزيد من الاهتمام والتخطيط. وتنشأ اليوم أسواق واسعة للعمل في الطاقة المتجددة، وفي تكنولوجيا المياه، وفي الإبداع والأسواق العالمية، عن بعد. في الوقت نفسه، فإن ثمة قطاعات ومجالات يقل العمل فيها، ويفقد الكثير أعمالهم بسبب تراجعها. وهناك قطاعان هما التعليم والصحة، وإن كانا موضع طلب سيستمر، إلا أنهما يحتاجان إلى مراجعة كبرى في تأهيل العاملين وتزويدهم بالمهارات الجديدة اللازمة لاستيعاب التحول والتوسع فيهما. وتؤشر الحالة الراهنة للعمل في التعليم والصحة إلى انفصال، وربما عمل مضاد لأهداف التنمية المفترضة.
الفكرة الأساسية للعمل، والتي يجب أن تشغل الحكومات والمجتمعات والأسواق والمنظمات الاجتماعية والأحزاب والتيارات السياسية، هي العمل المستدام لكل مواطن، باعتبار ذلك ضرورة للاستقرار والنمو الاقتصادي والاجتماعي؛ وأن يكون العمل يحقق شروط السلامة والكرامة التي تنص عليها قوانين العمل؛ وأن يكون في مقدور الأجيال المقبلة الحصول على فرص وخيارات متعددة للعمل، وتحسين الحياة، وضمان أن تكون وتيرة الحياة الاقتصادية والاجتماعية متجهة إلى التحسن والأفضل. وإذا كانت الأجيال الحاضرة تجد أن فرصها تتضاءل، وأن آمالها في حياة كريمة تقل عن الجيل السابق، فذلك يعني ببساطة أن اتجاهات النمو ومستوى المعيشة تتراجع.
ثمة مجال واسع للمجتمعات والناخبين والمرشحين للتفكير والجدل في العمليات الانتخابية للنواب ثم المحافظات والبلديات حول ما يمكن أن تؤديه الحكومات والشركات والمؤسسات الاجتماعية لأجل تحسين وتطوير بيئة العمل ليكون مستداما ولائقا.
والحال أننا، ببساطة، نفهم الأشياء كما تدركها الحواس، وفي ذلك فإن المجتمعات والأفراد والمدن تفكر على الدوام وتبحث في كيف تنظم حياتها واحتياجاتها وأولوياتها. وهذه هي السياسة، وهذا مردّ الجدل بين الخيارات المتاحة. إذ يجب أن تكون لدينا احتياجات وأولويات نبحث عن توفيرها وتحسينها، ويجب أن تكون لدينا خيارات عدة لأجل ذلك.
متاهة العمل والإصلاح تتشكل عندما تغيب الأسئلة والأفكار الأولية. فالأصل أننا نفكر في بقائنا وحياتنا الأساسية، وآمالنا وطموحاتنا، وفي فائض من الموارد ننفقه على تنظيمها وتجديدها وإدارتها بكفاءة وتوزيعها بعدالة. ونبدأ، ببساطة، في إدراك وفهم المسائل بحواسنا، ثم نطور هذه البيانات إلى معلومات، ثم إلى معرفة تنشئ البرامج والأفكار والمؤسسات، ثم إلى حكمة تقود الأمم والمجتمعات.