عندما تضر السياسة بسمعة الاقتصاد

ليس مفهوما هذا التباكي المستمر على حال الاقتصاد، في الوقت الذي تقوم فيه السياسة، على نحو ممنهج، بطعن الاقتصاد في خاصرته المرة تلو المرة، وتتصادم هنا مفاهيم كثيرة ذات صلة بحقيقة ما يجري لا بما هو في الأذهان. إذ أمسى عجز الأوضاع المعيشية والاقتصادية نتاجا لسياسات من الصعب القفز فوقها، ونحن ننظر إلى مستقبل البلاد والثقة باقتصادها داخليا وخارجيا.اضافة اعلان
فقد تراجع النمو الاقتصادي إلى أقل من النصف، منذ نحو عامين، وبنسبة بلغت 2.6 %، وارتفعت في موازاة ذلك المديونية، وتخطت حاجزها القانوني نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، وما يزال شبح عجز الموازنة يطارد الحكومة الحالية كما طارد سابقاتها. أما على صعيد الغلاء، فقرارات رفع أسعار المشتقات النفطية الأخيرة عززت واقع التضخم، المرشح للتفاقم واستنزاف جيوب المواطنين أكثر قبيل رمضان.
بالعودة إلى تقييم الاقتصاد والثقة به، فالاستطلاعات المحلية، في معظمها، تظهر ضعفا شديدا في ثقة المستهلكين بقوة الاقتصاد، وغيابا للقناعة بأن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح، نظرا للتداعيات السلبية التي يلمسها المواطنون جراء سياسات هذا المسار. وخارجيا، فإن وكالة التصنيف الائتماني الدولية "موديز" أبقت على تقييم سلبي للاقتصاد بعد أن كان في مرتبة المستقر. ومما يدعو إلى التأمل أن الوكالة الدولية أبدت انزعاجا من سرعة تغيير الحكومات في الأردن، ما يشير إلى أنه يؤثر سلبا على تصنيف الأردن الائتماني. ولعل مراوحة الاقتصاد ضمن تصنيف "سلبي"، بعيدا عن أي إجراءات إصلاحية اقتصادية أو حتى سياسية، سيجعل الوضع مقلقا في الداخل، ومرشحا لانزلاق الأردن إلى قائمة الاقتصادات غير المؤهلة لاستقبال الاستثمارات، وهو ما يخشاه الجميع ويحذر منه دون أن يلقى آذانا صاغية.
التساؤل هنا هو عن الرسائل التي يقدمها السياسيون في السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى الداخل والخارج، من خلال سلوك ضار بالدولة؛ فكيف سيثق بنا العالم ولدينا من يضرب نائبا تحت القبة؟ وقد صوت من تعدى على زميله النائب لإقرار قانون الانتخاب وكأن شيئا لم يكن. بمعنى أن الأجواء التي راقب من خلالها العالم إقرار قانون الانتخاب كانت كارثية، والأكثر كارثية منها القانون ذاته الذي يعني إعلان وفاة الإصلاح في البلاد.
والسؤال الأكبر: كم خسر الأردن بموجب ما جرى تحت القبة على صعيدي رمي الأحذية وإقرار القانون؟ كم خسرت الدولة بالحديث فقط عن ملفات فساد كبيرة وطيها على طريقة البرلمان في مجاهيل الأرشيف؟
الاستدارة الرسمية العنيفة ضد الإصلاح ومطالبه عادت بنا كثيرا إلى الوراء، وأضرت بسمعة الدولة. وأعتقد أن لا تحسين للوضع الاقتصادي من دون إصلاح سياسي حقيقي لا شكلي. والعالم فعلا أمسى شاشة هاتف محمول، لا ينفع معها الاختباء خلف الخيبات. وإذا كنا معنيين بتحسين صورة اقتصادنا داخليا وخارجيا، ونقل فقرائنا إلى واقع جديد، وكسب ثقة "الحلفاء"، فعلينا أن نتحرك نحو إصلاح سياسي معاييره واضحة للأردنيين لا لبس فيها؛ إصلاح يقود إلى دولة مدنية لا فساد فيها.