عن أي تحالف يتحدثون؟!

في الولايات المتحدة الأميركية هناك من يتحدث عن تغيرات جوهرية حدثت في أعقاب حرب لبنان فيما يتعلق بتصورات التهديد لدى اللاعبين الأساسيين في المنطقة. ومفاد هذا التغير هو أن إسرائيل والعالم السني يواجهان تهديدا إيرانيا مشتركا. وبالتالي، لماذا لا يكون هناك تحالف إسرائيلي سني ضد الامتداد الشيعي في المنطقة. فمن الطبيعي أن يقود هذا التهديد المشترك، حسب هذا المنطق، الى تقارب بين الاستراتيجية الاسرائيلية والاسترتيجية السنية في مواجهة تغلغل النفوذ الايراني.

اضافة اعلان

هذا المنطق ساذج لأبعد الحدود لأنه لا ينم عن فهم الجذور الأساسية لاستمرار الصراع في الشرق الأوسط ونمو كل الحركات الراديكالية بكل أشكالها الماركسية والقومية والاسلامية، كما يفترض أن العالم السني هو لاعب واحد موحد له أهداف متشابكة ومرتبطة ببعضها بعضا. والأكثر غرابة هو الافتراض الضمني لأصحاب هذه الفرضية بأن اسرائيل والعالم السني يتمتعون بعلاقات ممتازة، وكأن السلام قد حل منذ امد بعيد!

تعتمد هذه القراءة التي قدمها مارتن اندك من معهد بروكنغز على نتائج الحرب الاخيرة. ويقول مارتن ان اسرائيل بامكانها ان تحول خسارتها في المعركة الى انجاز ان احسنت استخدام ما تملك من اوراق. ويفترض ان مصر والسعودية والاردن ترى في المد الشيعي خطرا على مصالحها وان هذه الدول ترى في حزب الله وسيلة ايرانية وفي النظام السوري كنظام اقلية غير سنية. ويقول بأن حماس لها مصلحة في التنصل من قيادة الخارج التي تستخدمها ايران. هذه القراءة قريبة من الواقع، لكنها تخفق في انتاج الهدف المنشود (التحالف الضمني) عندما تهمش القضية الفلسطينية وتقلل من قدرة الصراع على تقوية النفوذ الايراني بدلا من تحجيمه.

أميركيا، يمكن القول ان هناك محاولات قديمة فاشلة لربط اسرائيل ببعض الدول العربية في مواجهة النفوذ السوفيتي بعد غزو افغانستان واندلاع الحرب العراقية الايرانية في مطلع الثمانينيات. وقد أطلقت ادارة الرئيس ريغان على هذه المقولة "الاجماع الاستراتيجي". ومفاد هذه المقولة ان الخطر الاكبر الذي يواجه الدول العربية المعتدلة هو ايران والاتحاد السوفيتي، وكأن الصراع العربي الاسرائيلي غير موجود. وقد اخفقت هذه الاستراتيجية لمعارضة الدول العربية لها التي كانت ترى في اسرائيل الليكودية انذاك الخطر الاكبر الذي يهدد وجودها ما ادى بالرئيس ريغان الى استبدال وزير خارجيته بجورج شولتز الذي نبذ هذه الفكرة.

لو سألنا اي مبتدئ بالسياسة الاقليمية في الشرق الاوسط حول الخطر الذي يتهدد الدول العربية المعتدلة لقال اسرائيل وما ينتج عن سياساتها من تغلغل الحركات الراديكالية في منطقتنا. فلا يمكن اقناع الجماهير العربية بان ايران هي الخطر الاكبر، وكأن اسرائيل هي دولة من الدول الاسكندنافية التي لا تحتل ولا تبطش ولا تعتدي.

هناك ضرورة لحل الصراع العربي الاسرائيلي بشكل شامل حتى تستطيع المنطقة ان تنجو من جو التطرف ودوامة العنف. ولا يمكن للولايات المتحدة ان تقنع طفلا صغيرا في المنطقة العربية بأن الخطر الايراني هو سبب كاف للتخلي عن القضية الفلسطينية.

الدرس اللبناني كان للجميع بمن فيهم حزب الله واسرائيل. والعبرة الاساسية هي انه لا يمكن حل الصراع وحسمه بالطرق العسكرية، ولا بد للمفاوضات ان تكون الخيار للجميع بما فيهم اسرائيل. واذا ما تم حل الصراع بالكامل لن يعود هناك عندها حاجة لتكوين أحلاف. وسيكون مفيدا لو تعلمت اسرائيل درس عبثية الأحادية.

مارتن اندك على حق عندما يقول ان من الخطأ لو تستنتج اسرائيل من حرب لبنان بأنه لا يمكن التنازل عن الارض. والدرس الذي على اسرائيل استنتاجه هو أنها عندما تنسحب يجب ان يكون ذلك لصالح حكومات مسؤولة حتى لا تتمكن القوى الراديكالية من ادعاء النصر.

[email protected]