عودة مؤقتة

تشبه الآلية التي تعاملت بها الدولة مع مسألة ارتفاع الأسعار، ما يمكن وصفه بالعودة إلى الدور الذي كانت تقوم به وزارة التموين، لكن هذه العودة تمت من دون إطار مؤسسي واعتمدت سياسة أشبه بالانقلاب على فكرة السوق الخالية من البعد الاجتماعي، تماما مثلما جاء قرار عدم رفع اسعار المشتقات النفطية انحيازا ولو مؤقتا إلى سياسة ما قبل عصر الاصلاح الاقتصادي، الذي ترك وراءه ضحايا كثُر من فئات المجتمع. هذا الاصلاح الذي كان يعني انسحاب الدولة من كل المجالات، وتخفيف أو ازالة الدعم  المُقدم للمواطن على سلع أساسية، فكانت الفئات المتضررة جلها من الطبقة المتوسطة والفقيرة.

اضافة اعلان

جعل البعض الإصلاح "حصان طروادة" لعرض كل شيء للبيع تحت اسم الخصخصة، فخسرت الدولة ملكية مشاريع ناجحة كانت تقدم للخزينة ايرادات جيدة، وكان البيع أحيانا بأسعار ظالمة للدولة، بل كانت عمليات البيع أشبه بمن لا يملك شيئا، ويضطر لبيع أثاث بيته فهو يقبل بالسعر المقدم، وأحيانا بأقل مما يجب، وتكون المساحة هنا متاحة للسماسرة وأثرياء العمولات، وتحت بند الإصلاح الاقتصادي اتبعت سياسة تشجيع الاستثمار التي منحت تسهيلات تجاوزت مجرد التشريعات، وكانت النتيجة استثمارات لم تكلف اصحابها كثيرا، لكنهم أخذوا أرضا بسعر شبه رمزي، ثم باعوها للاردنيين بأسعار مرتفعة.

بدأت الدولة تشعر بأن الذهاب إلى حد الاستسلام في مسار اقتصادي بدأ منذ بداية التسعينات، ترك آثارا على بنية المجتمع، وهي آثار سياسية واجتماعية كبيرة، ولهذا فإن ما جرى من إيقاف مؤقت لرفع أسعار المشتقات النفطية ثم الانتفاضة الرسمية لحماية الناس من ارتفاع الاسعار، كان في جوهره ردة مؤقتة على مسار اقتصادي تعاملنا معه بعين واحدة، دفعنا كل استحقاقاتها ومارسنا كل وصفات المجتمع الدولي، لكننا عجزنا عن انصاف الفئات الفقيرة والمتوسطة التي هي ضحايا هذا المسار.

أنشأ هذا المسار الاقتصادي على شواطئه طبقة دخلت عالم السياسة ليس لأنها محترفة سياسيا، أو ذات وزن شعبي أو حزبي أو تمثل قوى اجتماعية، بل لأنها اعتقدت أن تبنيها الكامل لهذا الخط الاقتصادي بل وتقديمها لنفسها على أنها مستعدة لممارسة كل الأعمال الانتحارية دفاعا عن هذا النهج، يعطيها فرصة للنفوذ السياسي وبخاصة في المراحل التي كانت الحكومة معنية باسترضاء الجهات الدولية، وإثبات حسن نوايا الأردن تجاه الإصلاح الذي لم يعد اقتصاديا فقط، بل دخل على المزاد ما سمي بالاصلاح السياسي. ولهذا نشأت طبقة تسعى لمصالحها ونفوذها، فالمواقع بالنسبة لها مدخل للبزنس وليس لبناء الدول، وهذه الطبقة انتشرت في دول عديدة ومجتمعات تتشابه.

قد تسمع الدولة في مراحل سيرها المريحة، من هذه الطبقة تنظيرا وقصصا ورسومات بيانية، ومجسمات للدولة المزدهرة، لكن عندما تضيق الأمور، يتحول هؤلاء إلى صف خلفي ولا تجد الدولة أمامها إلا الاستعانة بالمسار الحقيقي الذي يقوم على أن المواطن ليس "زبونا" في محل تجاري، وأن الفقراء وعامة الناس ليسوا جمهورا يتم استرضاؤه بالضجيج الاعلامي، بل هم الشعب الذي يحمل الدولة، وهم ذخيرة النظام السياسي الحقيقي، وأنهم ليسوا متلقي مساعدات، بل هم مواطنون لهم مواقف ورؤى وحقوق.

لا تملك الدولة أن تقرأ الحاضر وتبني المستقبل عبر شاشات الكمبيوتر، ومجسمات المشاريع السياسية، أو من خلال رؤية مؤسسة دولية أو دراسة شكلية جوهرها انفاق المخصصات وزيادة دخل مكتب، بل تقرأ الحاضر وتبني المستقبل من خلال الايمان بالناس وحقهم في الحياة والحماية، وهذا ما يحدث ولو بشكل جزئي أو مؤقت، مثلما هو إدارة موضوع الأسعار وتأجيل رفع أسعار المشتقات النفطية، وأهم ما فيه مبرره، وهو الانحياز للمواطن وليس الاستسلام الدائم للغة الارقام.

الدولة لها رجالها الذين يعملون لقوتها في الحاضر ولديمومتها، رجال يؤمنون بأن الدولة ومواطنيها جسم واحد، فالمواطنون ليسوا جمهورا لاحتفالات ونشاطات، بل هم جسد الدولة، وهذا يختلف عمن ينظر للموقع باعتباره نفوذا شخصيا، أو يستقوي بدوائر صنع القرار في الخارج ومنظمات حقوق الانسان، وربما أجهزة المخابرات الخارجية لتنصره، وتثأر له إذا ما فقد نفوذه في وطنه، أو لنقل في الدولة التي "يسكن" فيها.

الدول وانظمتها السياسية لا تحميها عقليات السياسة لغايات الثراء، ولا أوراق مستوردة عن إصلاح وهمي، بل تحميها السياسات التي تؤمن بالناس وتزيل كل فجوات بين صانع القرار والناس، وتجعل المواطن يجد نفسه في المسؤول ولا يشعر بالغربة عن حكومته، لكن من يؤمنون أن الأوطان مثل الشركات من حيث الإدارة، أو بانها مرحلة تأمين وظيفة بعد ترك الموقع، هؤلاء لا تجدهم الدولة في أوقات الحاجة.

[email protected]