فجر الخميس الماضي

اغتيال طفولة 1: قصة من دون رتوش خيالية!

أحمد سليم طفل من قرية تقوع قضاء بيت لحم، زجّ به فجر الخميس الماضي داخل سيارة للجيش الإسرائيلي، الذي كسر باب البيت على أصحابه النائمين بسلام، ودخل بكلابه البوليسية يبحث عن الإرهابي الصغير الملاحق بتهمة "رمي الحجارة"، أهل أحمد لم يستوعبوا ما يحدث وهم في حالة الهذيان ما بين النوم واليقظة. لكن صحوتهم تأكدت حين سمعوا الضابط وهو ينصح أحمد بتبديل ثياب النوم، حرصا على مظهره أثناء اعتقاله!

اضافة اعلان

ركض أحمد إلى ثوب والدته يختبئ في ثنايا جسدها، يبحث عن منفذ يعيده إلى رحمها، جنينا قبل ثلاثة عشر عاما، لا يعلم المسكين أن قوانين الرحمة الإسرائيلية لم تكن يوما تحترم بطون الفلسطينيات، ما دمن متّهمات بمقاومة عض الكلاب!

المهم .. بعد جدال عقيم بين الأسرة المصدومة وأفراد الجيش، دخل أحمد "الجيب" مقيد اليدين معصوب العينين، وقبل أن تقلع الكتيبة ركضت والدته ترجو الضابط أن تسقي ابنها شربة ماء، تطري جوفه وقلبه، شرب الولد الماء واستأنس لحظة بكفّ أمّه تمسحُ دموعه. وبينما كانت السيارة تنطلق بأحمد إلى سجن عوفر، بدا لأمه وكأنّ صغيرها صار رجلا في الثلاثين!

اغتيال طفولة 2: قصة أتمنى أن تكون خيالية!

ملك عبدالرحمن طالبة في الصف الثامن في مدرسة القيروان الأساسية للبنات، تعيش في بيت متواضع مع أسرتها متوسطة الحال، ترتيبها الثانية ضمن إخوتها الستة، لكنها تتميز عنهم جميعا بخصلتين؛ الأولى شكلها.. فملامحها جميلة منمنمة وعيناها عسليتان ناعستان وشعرها خيلي أشقر.

وقد حظيت بهذا الميراث وحدها عن جدتها لأمها تركية الأصل. والثانية ذكاؤها الشديد وفراستها التي ميزتها عن زميلاتها في المدرسة، حيث صار التفوق والتميز ملحقين تلقائيا باسمها في كشف العلامات. إلى هنا الحياة جميلة وهادئة، إلى أن ....

عريس "لقطة"، قدم من دبي ليبحث ويقتنع ويخطب ويتزوج، في ظرف شهر واحد! لا يمكن تمديد الإجازة أكثر من شهر، ومستحيل أن يرجع الى الإمارات بخفّي حنين، كما الأعوام الثلاثة الماضية، فالوحدة والفوضى والكبت كانت كفيلة بتراجع أدائه الوظيفي، وتملك العصبية من سلوكه العام. وكمهندس اتصالات يعمل في أهم شركات الهواتف النقالة، وخريج واحدة من أعرق الجامعات الأميركية، من حقه أن يطمئن لحياته الشخصية ويحقق معادلة التوازن النفسي والجسدي، والذي دله على باب منزل ملك، التي ارتأى والدها أنها اكتفت من أعوام الربيع الخمسة عشر، وحان قطاف ثمرها ونحن على أبواب الصيف!

بالطبع لم تترك البنت وسيلة إلا ولجأت إليها، لتحررها من قبضة المهر الغالي والوعد بإيجاد وظيفة لأخيها الكبير في دبي، بعد تخرجه من معهد التدريب الفندقي ... لكن صوتا عاليا ومغاليا في التبرير، كان أوقع من نهنهات صاحباتها، وتوسلات معلماتها في المدرسة.

فجر الخميس الماضي، زجّ بملك داخل سيارة العرس المزينة والمغادرة من أمام قاعة الأعراس إلى غرفتها في فندق خمس نجوم .. ولحقت بها سيارتان ضمتا أهل العروسين، وعلى باب المصعد الهابط إليها من السماء، التفتت ملك للمرة الأخيرة إلى أمها وطلبت منها أن تقترب منها قليلا، فهمت الأم مغزى الإشارة وركضت إليها تطمئنها وتوشوش في أذنها بضع كلمات، لكنها فوجئت بملك تسكتها وتحتضنها بعنف، وترجوها أن تحضر لها فورا... شربة ماء!

[email protected]