في الذكرى المئوية لإنشاء الخط الحديدي الحجازي

مع مرور مائة عام على إنشاء الخط الحديدي الحجازي يحق لنا القول إن هذا الخط يشكل أهم منجز يمكن الحديث عنه بما يخص تاريخ الأردن الحديث في فترة الحكم العثماني، فقد أسهمت الخطوط الحديدية في تطوير جوانب كثيرة من حياة المجتمعات في أنحاء مختلفة من العالم، وعرفت السلطنة العثمانية هذه الخطوط في أواخر حكمها، وكان هذا الخط بمبادرة عثمانية ـ إسلامية زمن سلطنة عبد الحميد الثاني.

اضافة اعلان

وتعود فكرة إنشاء الخط الحديدي الحجازي سنة 1864م أثناء العمل في فتح قناة السويس التي ربطت بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، فقد تقدم الدكتور زامبل، الأميركي من أصل ألماني، باقتراح تمديد خط حديدي يربط بين دمشق وساحل البحر الأحمر بيد أن الاقتراح قوبل بالإهمال لكنه سرعان ما عاد إلى الظهور في العام 1880 م عندما قدم وزير الأشغال العامة في الأستانة مشروعا أوسع من السابق إذ يقضي بمد خط حديدي من دمشق إلى الأراضي المقدسة، غير أن المشروع لم ينفذ بسبب الصعوبات المالية وبقي، بدوره، حبرا على ورق.

وبعد سنوات أحيا الفكرة من جديد السوري عزت باشا العابد الذي كان يشغل منصب الأمين الثاني للسلطان العثماني عبد الحميد، عندما اقترح عام 1900م المشروع على السلطان الذي تحمس له فأقام دعاية واسعة له في العالم الإسلامي مركزا على مسألة سهولة نقل الحجاج إلى أرض الحجاز إذا ما تحقق المشروع.

وتشير المصادر إلى أن الشيخ جمال الدين الأفغاني (1839 - 1897م)، بأفكاره وآرائه، أسهم في دعم دعاية السلطان، فالأفغاني كان يؤمن بقوة الوحدة الإسلامية ويسعى إلى إقامة حكومة إسلامية تنضوي تحت رايتها جميع الشعوب الإسلامية، ومن البدهي أن تنفيذ مشروع إنشاء الخط سيسهل هذا التوجه، ففضلا عن الأهداف الدينية المتمثلة في تسهيل سفر الحجيج إلى الديار المقدسة، فإن فكرة الإنشاء انطوت كذلك على بعد سياسي تمثل في ربط البلاد الإسلامية مع بعضها بطريق حيوي، وهذا بدوره يفضي إلى هدف عسكري وهو تشديد قبضة السلطان عبد الحميد على الولايات العربية التي يمر بها الخط لاسيما وان قناة السويس كانت خاضعة لسيطرة بريطانيا التي كانت تتحكم بمرور الجيوش العثمانية عبرها، وكانت السفن العثمانية تقف أحيانا لأكثر من شهر حتى يسمح لها بالمرور.

وقد بدأ العمل في الخط في شهر أيلول سنة 1900 وتم الانتهاء فيه في العشرين من آب عام 1908، وقد قام مهندس تركي يدعى مختار بك بتحديد مسار الخط، والمسار الذي اختاره هو نفسه الذي سلكته قوافل الحج والتجارة منذ القدم والتي كانت تمر عبر الأردن، وبعد ذلك بعام عين مهندس ألماني يدعى مايسنر للإشراف على تنفيذ المشروع بمساعدة حوالي 50 مهندسا من جنسيات مختلفة، وتقول المراجع أن العمل كان شاقا ومرهقا نتيجة الظروف الجوية القاسية، وندرة المياه، والوقود، وتراكم الرمال في المناطق الصحراوية، وقلة المواد الغذائية، وقلة الأيدي العاملة مما دفعت السلطات العثمانية إلى الاستعانة بالجيش لتوفير اليد العاملة في تنفيذ المشروع الذي استمر العمل فيه حوالي ثماني سنوات حيث تم إنجاز خط يبدأ من دمشق ويمر بمدينة درعا، فالزرقاء، فعمان، فمعان، فالمدورة، فتبوك، فمدائن صالح لينتهي في المدينة المنورة، وكان من المقرر أن يصل إلى مكة المكرمة ومنها إلى عدن في اليمن غير أن ظروف السلطنة العثمانية حالت دون ذلك.

وبالنسبة لتاريخ الأردن الحديث شكل هذا الخط مصدر اهتمام اكبر للسلطنة العثمانية بمنطقة شرق الأردن، فقد دفع إنشاؤه بالعديد من الوافدين الى الشام ومن مدن وقرى فلسطين إلى الاستقرار في الأردن، وكان جُل هؤلاء الوافدين من التجار والحرفيين، حيث  أصبحت القبائل البدوية في شرق الأردن في تلك الفترة تجد في أماكن استقرارها كافة الاحتياجات التي تضمن بقائها واستمرارها، وفي ذات الوقت أصبح الفائض من الإنتاج المتوفر لديها يباع من خلال وجود هذه المراكز الجديدة التي ساهمت سكة الحديد في تدعيم وجودها.

وكذلك تأصلت العلاقة بين البدو والفلاحين والتجار في المراكز الجديدة، مما أدى بالتجار الذين تكدست لديهم الثروة لاستغلال حاجات الفلاحين والبدو إلى المال أو حاجته لبعض أنواع السلع، مقابل شراء أرضه أو رهنها، وأصبح وجود ارض يملكها التاجر عن طريق الشراء أو الرهن مألوفا بين عرب بني صخر وعرب البلقاء.

واسهم وجود خط سكة الحديد في تطوير العلاقة بين البدو والفلاحين الأردنيين من جهة وبين الأردنيين والسلطة المركزية العثمانية من جهة أخرى وساهم في تأسيس نواة حقيقية لوجود مراكز أسواق أدت إلى تغيير حقيقي في علاقات السكان في الأردن.

[email protected]