في انتظار موجات لجوء سوري جديدة!

في ظل الاهتمام والتركيز على تطورات الأوضاع العسكرية في سورية، والاختراقات الاستراتيجية التي تحققها المعارضة المسلحة في غير منطقة نفوذ للنظام السوري، واشتداد الصراع الإقليمي والدولي عبر أدواته المحلية السورية، يتراجع الاهتمام والتركيز على التداعيات المتوقعة لهذه التطورات العسكرية فيما يتعلق بتدفقات أوسع محتملة للاجئين السوريين إلى دول الجوار. اضافة اعلان
لم يعد خافيا أن معادلات عديدة تتغير على الأرض السورية منذ عدة أشهر، انعكست بوضوح على تقدم المعارضة المسلحة وتحقيقها اختراقات عسكرية مهمة على حساب الحكومة السورية، فيما يترافق هذا التقدم للمعارضة، التي تشكل جبهة النصرة رأس حربتها وعمادها الأساسي، مع تقدم آخر لتنظيم "داعش" وتوسع مساحة نفوذه سورياً، خاصة بعد سيطرته الأخيرة على تدمر.
ورغم تقليل مراكز الدراسات المعتبرة عالميا من أهمية وحجم "تفاؤل" المعارضة السورية المسلحة، وداعميها الإقليميين، باقترابها من كسر شوكة النظام السوري وحلفائه، وتسليمه بالهزيمة، فإن الثابت أن التحالف الإقليمي التركي السعودي القطري، الذي تبلور بصورته القائمة منذ عدة أشهر، أسهم بصورة واضحة في تغيير المعادلات على الأرض، عبر دعم وتوحيد جهود أطراف المعارضة المسلحة، وفتح خزائن "قارون"، من مال وسلاح ودعم بالخبرات، وفرض التنسيق السياسي والعسكري بين تلك الأطراف، ومحاولة إعادة تاهيل جبهة النصرة، ذراع "القاعدة" في سورية، دوليا وإقليميا.
طبعا كل ذلك يتم ويجري، في ظل مراوحة التحالف الدولي والعربي في مربع العجز والتعثر "الاستراتيجي" عن هزيمة "داعش" في العراق وسورية، فيما تبدو الأولوية للتحالف الإقليمي التركي السعودي القطري، هي إسقاط النظام السوري ونفوذ إيران وحزب الله، بغض النظر عن الاحتمالات الكارثية التي ستواجه سورية، دولة وشعبا، إن بقي الرهان على الخيار العسكري، ودعم التنظيمات المتطرفة، والابتعاد عن الحل السياسي، الكفيل وحده بالوصول إلى انتقال سلمي للسلطة، ومنع انهيار مؤسسات الدولة، أو الوصول إلى سيناريو التقسيم ودول الطوائف والمليشيات.
وبعيدا عن التحليلات العسكرية والاستراتيجية لمنتهيات الحرب الدائرة في سورية اليوم، فإن ما يضيع التركيز عليه في ملاحقة تفاصيل التقدم العسكري للمعارضة المسلحة على الأرض، هو التداعيات المحتملة لسيطرة التنظيمات الإسلامية المسلحة، بعد أن تبخرت باقي أشكال وتلوينات المعارضة الأخرى، على مناطق ومدن سورية جديدة، وفتح ذلك لباب جديد لتدفق كبير آخر للنازحين واللاجئين، وهربهم، إما من خطر المعارك العسكرية المحتدمة أو من حكم تنظيمات "داعش" وجبهة النصرة وأخواتهما، خاصة من قبل الأقليات وشرائح واسعة من المجتمع السوري.
مع احتدام المعارك وتعالي أصوات "الفرح" بتقدم المعارضة المسلحة في مناطق نفوذ النظام، يتراجع الانتباه، وإن كان ذلك مؤقتا، لحجم الكارثة الإنسانية التي تحدق بهذه المناطق الواسعة، والتي تضم ملايين السوريين، وبما يهدد بإطلاق موجة أوسع من النازحين داخل سورية، ومثلها موجة أخرى من اللاجئين إلى دول الجوار السوري، ومن ضمنها الأردن، الذي يرزح حاليا تحت أعباء لا تعد ولا تحصى جراء هذا الملف، وقد لا يكون قادرا بعد اليوم على تحمل موجات واسعة من اللاجئين، كما جرى في بداية الأزمة.
يراهن الأردن على تفاهمات وعلاقات تم نسجها مع الجيش الحر، وبعض أطراف المعارضة السورية، تحديدا في الجنوب السوري، وهي مناطق تشهد حاليا نوعا من الهدوء الأمني والاستقرار نسبيا، للحد من تدفق أي موجات كبيرة للاجئين السوريين إلى أراضي المملكة، لكن السؤال هو: هل يمكن لمثل هذه المنطقة "العازلة" عمليا، أن تمنع مثل هذه الموجات المحتملة في حال اشتداد الصراع في قلب سورية، وحدوث انهيار حقيقي في جبهة النظام؟!
قد تكون دول عديدة في الإقليم غير معنية كثيرا بالإجابة على مثل هذا السؤال، بخلاف الأردن ولبنان، وهما الأكثر تضررا، بعد الشعب السوري، من الأزمة السورية!