قبل قيام اتحاد جمهوريات فلسطين العظمى

من مشاهد "شر البلية" الفلسطينية، أن غزة مشتاقة جدا للضفة الغربية، ولا يمكنها أن تتركها وحدها. فبعد أيام من اغتيال الممثل الفلسطيني جوليانو خميس في جنين، وهو الذي كرّس سنوات حياته الأخيرة لمخيمها، وقعت جريمة شبيهة أخرى، هي اختطاف واغتيال الصحافي الايطالي التقدمي والمناصر لقضيتنا فيتوريو أريغوني. وحتى كتابة السطور، لم تنجح أجهزة أمن الضفة في الوصول أو الكشف عن القتلة، فيما قتلت أجهزة غزة من اتهمتهم بقتل أريغوني.اضافة اعلان
بطبيعة الحال، فإنه أمام واقع محاولات الاحتلال الإسرائيلي مسنودا بدعائمه العالمية، للزج بالشعب الفلسطيني وقضيته أمام الرأي العام العالمي في خانة الإرهاب، فإن جرائم إرهابية من هذا النوع تجعلنا في حالة استغناء عن إسرائيل والحركة الصهيونية برمتها، ومسانديها في العالم، فالقتلة "قاموا بالواجب" على أكمل وجه.
وأصلا، "نحن" في حالة استغناء عن كل "جهود" الاحتلال لإضعافنا، فحالة التناحر الذاتي والانقسام الداخلي تقوم بالدور أيضا على أكمل وجه.
المؤشر الخطير من هاتين الجريمتين أننا كما يبدو أمام حالة عودة إلى فوضى السلاح وغياب أمن الناس والمواطن. فهذا ما دمّر انتفاضة الحجر الباسلة في مطلع سنوات التسعينيات، حين غدت عمليات التخوين وسيلة حتى لمن يختلفون في ما بينهم على قضايا اجتماعية ومالية، وشهدنا إعدامات في الشوارع، تليها بيانات تنظف ساحة الضحية وتعتبره شهيدا. والمشهد تكرر أيضا في سنوات الألفين الأولى، بينما يقول الأجداد إن هذا أيضا ما ساهم في إحباط ثورة 1936.
والمطلوب اليوم من الأجهزة الأمنية في "دولتي فلسطين المستقلتين"، وقبل أن نصبح أمام واقع "اتحاد الجمهوريات الفلسطينية العظمى"، أن تبذل الجهد ذاته الذي تبذله في ملاحقة خصومها السياسيين، فنحن أول المعنيين بوضع اليد على القتلة ومحاكمتهم، ليس فقط المنفذون وإنما أيضا مرسلوهم، لأن التلكؤ والتهاون أمام جرائم كهذه هو بمثابة ضوء أخضر للجرائم التالية.
صورتنا أمام العالم تشوهت كثيرا في الأيام الأخيرة، بعد أن نجح الأداء الفلسطيني الرسمي والشعبي في السنوات القليلة الماضية، في استرداد هيبة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة في الساحة الدولية، والأهم أمام الرأي العام العالمي. ولا يمكن السماح لنفر من الإرهابيين أن يعيدونا إلى تلك الخانة، في الوقت الذي عادت فيه القوى المناصرة لنا في التحرك في العالم، في عدة اتجاهات، وإسرائيل باتت محاصرة أكثر في حلبات الرأي العام العالمي، وهي تدرك أنه في هذه النقطة بالضبط، فإن الدعم الأميركي الأعمى لها لن يساعدها، وهي خاضت هذه التجربة في سنوات الثمانينيات ولا تريدها أن تتكرر.
ولا يمكن فصل هاتين الجريمتين عن حالة الفوضى القائمة في المشهد العام الفلسطيني، والتي وضعت الشعب الفلسطيني في حالة أسر مزدوجة ومضاعفة عدة مرات، لأجندات لا دخل لها بقضيتنا، وبرامج لا تتناسب مع رائحة الوطن وترابه وأجوائه.
لقد سئمنا الدعوات لإنهاء حالة الانقسام، ونرجو أن لا تنهوا هذا الحالة، لأن الانقسام كما يبدو بات بضاعة تترزق منها أطراف وجهات لا نريد لها أن تموت جوعا، ولا "تزعلوا"، فنحن أيضا "نستفيد" من الانقسام فهو يعبئ بعض الخانات الكتابية، كما لا نريد "صُلحة" بين فتح وحماس، فهذا لم يعد يهمنا، لأن فلسطين ليست فتح ولا حماس، فلسطين شعب وأرض ووطن وتاريخ وتراث.
ولكن السؤال المحيّر من كل هذا المشهد الإجرامي بحق الشعب الفلسطيني وتاريخه وقضيته: لماذا الخوف من التوجه إلى الشعب والاحتكام إلى رأيه من خلال الانتخابات، أليست الانتخابات هي من حملتكم إلى السلطة، أم أنكم أردتم الانتخابات "استعمالا لمرة واحدة"؟