قريبا تلفزيون "الخدمة العامة".. ولكن؟

الأردنيون على موعد مع إقلاع محطة تلفزة وطنية جديدة، قائمة على مبدأ "الخدمة العامة"؛ بما تعنيه من استقلالية وتمثيل فعلي لمكونات المجتمع، على أمل كسر حال الاغتراب تجاه المحطات الرسمية التي تغرد، منذ سنوات، بعيدا عن أجواء المواطن وأولوياته. اضافة اعلان
فهل نصدق أن هذا الحلم الإعلامي سيحدث في زمن تراجع الحريات الصحفية، وارتفاع مناسيب الرقابة الذاتية والرسمية، والخوف من المساءلة حسب قانون منع الإرهاب الذي بات هاجسا للصحفيين، حال مليوني أردني من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي؟
بحسب البشرى السارة التي زفّها وزير الدولة لشؤون الإعلام، ورئيس اللجنة المكلفة بتنفيذ مضامين الاستراتيجية الإعلامية (2011-2015)، د. محمد المومني، فإن محطة الإعلام العام المستقل والإذاعة الخاصة به، ستحلقان خلال تسعة أشهر، ومن دون وقفات إعلانية تجارية؛ باستثناء وقفات إرشادية أو خدمة اجتماعية.
تمويل المحطة الجديدة -المفترض أن تمارس دور "السلطة الرابعة" على غرار هذا النمط في الدول المتقدمة- سيأتي من خزينة الدولة (أموال دافعي الضرائب)، حال مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الحكومية. هذه المؤسسة التي تدخل عقدها السادس تلقت العام 2015 إسنادا حكوميا قدره 35 مليون دينار، لتغطية نفقاتها التشغيلية، ورواتب 1650 موظفا، إلى جانب تحديث البنية التحتية. ويجمع التلفزيون الرسمي أيضا بين 3-4 ملايين دينار سنويا نظير إعلانات تجارية.
المحطة المنشودة ستكون محصنة قانونيا وإداريا لضمان استقلاليتها. وسيعين رئيس مجلس إدارتها وأعضاء المجلس بإرادة ملكية سامية "لتحصينه من أي تدخلات"، على غرار نظام حاكمية المجلس الوطني الأردني لحقوق الإنسان والهيئة المستقلة للانتخاب، حسبما أوضح الوزير المومني خلال لقاء تشاوري مساء الاثنين، مع ممثلي قطاع الإعلام العام والخاص.
سيكون مجلس الإدارة المسؤول الأول والأخير عن وضع سياسات القناة التحريرية، واختيار المدير العام وطواقم المؤسسة، واتخاذ الإجراءات كافة لضمان تقديم خدمة "متميزة"، تتكامل مع ما تقدمه فضائية رؤيا (المستقلة) وغيرها، بحسب ما قال الوزير.
ولمواجهة تعقيدات استقطاب كفاءات إعلامية وتقنية وتحريرية، وفق نظام الخدمة المدنية، فستفعل الإدارة المادة 60 في النظام إياه، لتتيح تعيين الرجل المناسب في المكان المناسب بعقود خدمة منفصلة.
لو سارت الرياح كما تشتهي أشرعة د. المومني، فستحقق محطة الإعلام العام حلم غالبية المواطنين، وكل إعلامي مهني طموح، بإحداث نقلة نوعية في أدوات التواصل المرئية والمسموعة. وقد تغدو أنموذجا عربيا رائدا، في منطقة باتت غالبية وسائل إعلامها؛ العامة والخاصة، أقرب إلى أبواق دعاية وتخوين وتزوير للحقائق، وتطبيل وتزمير، وفق أهواء أجندات مموليها وتوجهات دولها العميقة. ومع الوقت، قد نقترب أكثر من أنموذج مؤسسة الخدمة الإعلامية العامة في أميركا، أو"بي. بي. سي" (BBC) البريطانية، أو خدمة "دويتشه فيله" الألمانية، و"فرانس-24".
فهل نصدق فعلا أننا بتنا أمام حكومة قررت فجأه بأنها غيورة جدا على المصلحة العامة؛ تواكب ثورة الإعلام وصناعة المعلوماتية، وترصد أهميتها في تشكيل الرأي العام وكسب القلوب والعقول، من خلال احترام دور الإعلام الرقيب على مصالح المجتمع، والذي لا يخشى كشف إخفاقات كبار المسؤولين، وينقل الرأي والرأي الآخر؛ حكومة تدرك أن التلفزيون سيظل وسيلة التأثير الرئيسة في اتجاهات الرأي العام، والمصدر الأول للأخبار، ولا بد من تغيير واقع الإعلام الحكومي المرير؟
ذلك أن "الميّة تكذب الغطّاس"، و"الأعمال بالنيّات". فهل يذوب ثلج التمنّي والأحلام لنكتشف لاحقا واقع الحال؟
حتما سيبرز الشيطان في التفاصيل. ولا بد من طرح حزمة تساؤلات لضمان ولادة تلفزيون الخدمة العامة الموعود بأفضل وجه، لأنه يواجه رهانات وتحديات حقيقية في إقليم ملتهب مفتوح على مستقبل مجهول.
أول الأسئلة يتعلق بموارد التمويل والتكاليف، واحتمالات تنافس المرجعيات داخل وخارج القناة؛ فضلا عن الجدوى الاقتصادية وعنوانها الكبير: لماذا لا تخطو الحكومة صوب إصلاح حقيقي لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون، والانتقال بها نحو أنموذج الخدمة العامة؟ فذلك أجدى من ضخ أموال لتجهيز بنية تحتية وشراء معدات مكلفة واستئجار مقرات للتلفزيون الجديد! ما الحاجة من إبقاء هذه المؤسسة على جهاز التنفس الاصطناعي بأموال دافعي الضرائب، بينما تقزمت إلى التغني بإنجازات الحكومة وسائر المؤسسات الرسمية؟ وما المانع من إحداث إصلاحات جذرية فيها، حتى نرمم جسور الثقة مع المواطن، ونحن نقف أمام تحديات جسيمة بما فيها عجز هائل في موزانة الدولة؟
ففي ظل جمودها وتكلسها، يتوقع أن تواصل هذه المؤسسة انهيارها أمام صعود تلفزيون خدمة عامة، على افتراض أنه سيقدم وجبات إعلامية أكثر تميزا واستقلالية. وهنا يحق لنا التساؤل: لماذا الاستمرار في هدر المال العام؟ أم أن الحكومة باتت على قناعة بأن محاولات تحويل هذه المؤسسة إلى محطة إعلام خدمة عامة فشلت بعد أكثر من عقدين، تخللهما إنفاق الملايين على دراسات جدوى؟
الشق الثاني يتعلق بالاستقلالية. فمن دون استقلالية فعلية قلبا وقالبا عن أي نفوذ، لن تكون هناك أي قيمة مضافة لمفهوم تلفزيون الخدمة العامة. هل من ضمانات تعاقدية وقانونية تحمي رئيس مجلس الإدارة أو المدير العام في حال أغضبت استقلاليته التحريرية مراكز النفوذ المتداخلة؟ أي جهة ستوفر تلك الضمانات؟
الأهم من ذلك، هو التحدي المتعلق بالحوكمة والشفافية المالية والإدارية داخل المحطة؛ كيف سيتم اختيار رئيس مجلس الإدارة والأعضاء، وكذلك المدير العام ورؤساء الأقسام؟ كيف ستكون آلية اتخاذ القرار داخل المؤسسة؟ وهل سيكون لها نظام مكافأة ومساءلة واضح؟ ما هي المجالس المعنية باتخاذ القرار والخط التحريري، وما هي مستويات اتخاذ القرار؟ هل ستستقطب كفاءات حقيقية أم أصدقاء ومحاسيب؟ هل ستعزز بمجلس استشاري/ إرشادي يضم ممثلين عن مكونات المجتمع وقطاعاته؛ أحزاب علمانية ويسارية وإسلامية، ومنظمات نسائية، وممثلون عن دار الإفتاء والمجالس الكنسية، وهيئات شبابية وذوي إعاقات حركية ومنظمات عمالية.. إلخ؟ من سيراقب أداء مجلس الإدارة وقرارته، ويحاسبه على المخرجات والسياسات المتبعة؟ أين الحكم في حال اختلف رئيس مجلس الإدارة مع المدير العام؟ هل سيكون للمؤسسة محقق خاص وهيئة لقياس الرأي العام والتعامل مع شكاوى متلقي الخدمة وسلوكيات الإداره؟
وفوق ذلك كله، هل ثمّة رغبة حقيقية لدى الدولة في أن يكون الإعلام الأردني ككل مستقلا حدوده السماء والمهنية؟
تجربة التلفزيون الجديد الجريئة -شكلا ومضمونا- ستظهر قريبا من عنوانها الأول: الشخصية التي سيتم اختيارها لرئاسة مجلس إدارته وشركاؤها في المجلس، فهذه الأسماء ستخلق الانطباع الأهم بأن البناء الجديد يحمل مقومات "السلطة الرابعة"، وليس مجرد علاقات عامة وإجراءات تجميلية على حساب دافعي الضرائب المهمشين والدول المانحة أو العكس؟
لننتظر ونرَ. فصدقية الخطاب الرسمي حيال إعلام الخدمة العامة الموعود على المحك خلال أسابيع!