قيادة هادئة لـ "رجل الفرصة الثانية"

في إحدى المقالات التي كتبها الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، إبان توليه منصب عمدة باريس قبل شهور قليلة من استحواذه على كرسي الرئاسة في العام 1995، تحدث رجل السياسة الشهير عن مبادئ القيادة الحكومية الهادئة في زمن الأزمات، وكان يقصد بها قيادة الدولة نحو الإصلاح المنشود بهدوء وتسلسل منطقي كي لا يخرج المنتج النهائي حاملاً لعيوب يصعب تفادي عواقبها فيما بعد، وكان يتناول بعض الأخطاء والعثرات التي مرّ بها في السابق وكيف يمكن الاستفادة منها في "الفرصة الثانية".اضافة اعلان
القيادة الهادئة لمن يدير أمور الجهاز التنفيذي للدولة، بحسب شيراك، تحتاج إلى تغيير كبير في طريقة تفكير صاحب القرار لتتماشى مع الإصلاح المطلوب، في حين يتوجب على شركاء صنع القرار أن يحاكوا ذهنية التغيير بحكمة عالية وتقدير بالغ للحالة التي تستوجب إدارة الأزمة بحنكة كبيرة لتسيير أمور البلاد بعيداً عن الانفجار المتوقع ممن ينتظرون القرارات من القوى السياسية المعارضة، والشارع، المكون من عامة الشعب، الذي يتوزع بين طبقات ثلاث؛ فقيرة، ومتوسطة، وغنية، وغالباً ما تكون المتوسطة مشاركة كبرى في صناعة السجال حول فحوى القرارات الإصلاحية، والفئة التي تتضمنها هذه الطبقة هي التي تصنع المعارضة المنطقية وتقود الشارع للانتباه لعيوب الحالة الناتجة عن صنع القرار في نهاية المطاف، وهي بالتأكيد الخلية النائمة التي يخشى من تفجرها في أي وقت.
وينبه مقال "شيراك" إلى خطورة عدم انتباه صانعي القرار لطبيعة الحالة التي يعيشها المجتمع، وخاصة تلك الحالة التي تنتج تغيراً كبيراً وواضحاً في آلية تفكير الطبقة الوسطى في المجتمع، وهي غالباً ما تقود إلى مشاركة واسعة من الطبقة الوسطى في الحراك السياسي المناهض للقرارات الحكومية. وقد تطلب هذه الفئة تغييراً عريضاً في شخوص المسرح السياسي، ليس لعدم قدرتهم على محاكاة المرحلة فقط، بل لقناعة هذه الفئة من الشعب بأنهم غير ممثلين بالصورة الحقيقية على الدوام في القرار السياسي، فيما يأخذ البعض على عاتقه مهمة التثوير الشعبي، وهي مهمة سهلة للغاية، لكن عواقبها وخيمة على الدولة، وعلى صانعي القرار التنبه إلى خطورة هذا الأمر.
جاك شيراك يتحدث عن "المرحلة"، وهي قد تكون سالفة أو حالية، لكن أفكاره تلفت الأنظار إلى أخطاء ارتكبها الرجل إبان توليه منصب عمدة باريس، حيث انفرد بقرارات متسرعة بشأن المهاجرين المغاربيين، ولم يكن هادئاً في إدارة الأزمة، ما أدى إلى زيادة الاحتقان في الشارع لحين وقوع لحظة الانفجار الكبير عندما صدم العالم أجمع بأحداث دامية بسبب الصدام بين الشرطة الفرنسية والمهاجرين المغاربيين. ويعترف "شيراك" بأن القيادة الهادئة للأمور المتعلقة بصنع القرار في الأزمات تجعل العقل يعمل بصورة أفضل، وتبعد رجل الدولة عن حدة الضغوط التي تشتت قدرة العقل عن التفكير، كما تؤثر في قدرة العقل على استيعاب الحالة.
القادة الهادئون يدفعون إدارتهم للتفكير الإيجابي وتقديم أفضل ما لديهم من مستويات الأداء، وبالتالي يعملون على فهم الناس وطرح ما يحاكي آلية تفكيرهم، ويرضي طموحهم في القرارات الناتجة. هنا يؤكد "رجل الدولة الذي يتحدث من واقع خبرته الكاملة في اتخاذ قرارات ندم عليها في السابق"، أن القيادي الذي يظهر في الأزمات غير قادر على اتخاذ القرار الهادئ، واستيعاب ما يريده الناس، والتعامل بحكمة من دون تسرع وتخبط، لا يمكن إعطاؤه فرصة ثانية، لأن الأمر قد يصل في الختام إلى انفجار خلايا نائمة، ووقوع كوارث لا تحمد عواقبها!