كسر المناعة ضد التغيير

كان خطاباً تربوياً رائعاً وجامعاً ومانعاً الذي ألقته جلالة الملكة رانيا العبدالله بمناسبة إعلان الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية (5/ 9/ 2016). ويمكن تلخيصه، ليحفظ غيباً عنها (والتعليق عليه)، كما يلي:اضافة اعلان
• "التعليم يمس كل بيت أردني؛ فلا عجب من مناقشة ملفه واختلاف الآراء حول التعامل معه".
• "إن أقصر السبل لحل المشكلات هو مواجهتها لا تجاهلها أو التهرب منها وتمريرها للأجيال المقبلة".
• "إن واقعنا صعب ومحيطنا أصعب".
• "إن الكنز الحقيقي موجود لدينا، ولا داعي للحفر والنبش لاكتشافه. إنه مدفون في عقول أبنائنا وبناتنا".
• "الموهبة الآن هي أعلى سلعة"، وهي موهبة الابتكار والإبداع. وهي تُصنّع؛ أي تتكون بالتربية والتعليم المؤاتين والتمرين، كما سيأتي شرحه في سلسلة من المقالات.
• "في يوم المدرسة الأول، تلمع عيون الصغار من الحماسة والدهشة، وشيئاً فشيئاً تبدو الطموحات تصغر بنوعية التعليم". ولطالما أدعيتُ أن المدرسة، وبخاصة المدرسة العامة، ليست سوى مركز اعتقال نهاري للأطفال، ينتظرون بفارغ الصبر للإفراج عنهم منها.
• "أما التوجيهي (أو التوجيعي كما سمته إحدى الكاتبات)، فنتائجه غير مرضية"؛ فنسبة النجاح فيه تتراجع عكسيا مع الإصلاح والتطوير المدّعين. كما تتراجع كفاءته الداخلية أيضاً؛ فنسبة من ينجحون فيه ممن يلتحقون بالصف الأول الأساسي ويتقدمون للامتحان قد لا تصل عشرين في المائة، إنه في الحقيقة استغفال للرأي العام كما بينت في كتابٍ بهذا العنوان.
• "إصلاح التعليم عملية متداخلة ومتشعبة، وتتطلب جهدا مشتركاً غير مسبوق".
• "نحن نعيش في عالم تكنولوجي (بالكمبيوتر، والإنترنت، والهاتف الخلوي، والذكاء الاصطناعي)، ويجب إعداد الأطفال منذ الصغر للنجاح في هذا العالم التقني". إن الأطفال أمهر فيها من ذويهم ومعلميهم ومعلماتهم، ولكنهم يحتاجون إلى تأهيل علمي فيها.
• "المعلم/ة هو محور العملية التعليمية (والتلميذ/ة هو محور العملية التعلّمية فيها). ولكننا لم نجعله محور اهتمامنا، لأننا لم نعده لهذه المهنة. وسنفعل بالتعاون مع أرقى كليات إعداد التعليم في العالم. والتعلّم من الغير الذين سبقونا ليس عيباً".
• "يجب أن نضم صوتنا للإعلاميين وغيرهم ممن كسروا تابو الصمت".
• "التغيير صعب، ولكنه ليس مستحيلاً. والتغيير أن نكسر القوالب الفكرية والمحددات التقليدية التي جعلت التعليم جامداً لا حوار ولا حياة تنبض فيه". والدليل عليه إدخال تقنيات عدة في التعليم، كالإذاعة المدرسية والتلفزيون التربوي، ثم الكمبيوتر والإنترنت.... وفشلها في الاندماج بالتعليم، لأن البنية العقلية (Mindset) في الإدارة والميدان لم تتغير. لقد تكونت لديها "مناعة ضد التغيير" (Immunity to Change) لخشيتها الدفينة من فقدان سلطانها.
مشكلة المنهاج الأردني وأمثاله أنه لولبي لا بنائي؛ فيظل يتكرر أفقياً وعمودياً. ولتحويله إلى منهاج بنائي، يمكن التعلّم من مشروع المنهاج المتطور الذي وضعته جمعية الاشراف وتطوير المناهج في أميركا (ASCD)، وبدعم مالي من إدارة التربية والتعليم هناك. إذ تم تنظيم منهاج كل مادة، في كل مرحلة، بثلاثة أنماط من المعلومات والمعارف والمهارات المتفاوتة عدداً بين مادة وأخرى، وهي:
1. المعرفة الإجرائية (Procedural Knowledge). وهي المعرفة التي تحتوي على عملية (Process) ومهارة، مثل مهارة قراءة الخريطة، أو إجراء القسمة الحسابية الطويلة، أو إجراء تجربة، أو تحرير مقال.
2. المعرفة القائمة على الفهم (Declarative Knowledge)، بحيث يفهم التلميذ/ة مكونات أو عناصر أو أجزاء الموضوع، مثل فهمه للمنطقة الجزافية، وخصائصها، والحدود المتغيرة بينها، أو معرفة قواعد لعبة كرة السلة... أو الترقيم والإيقاع... إلخ.
3. المعرفة أو المهارة الخاصة بالموقف (Contextual Knowledge)، أو كما تقول العرب: "لكل مقام مقال"؛ أي أن يعرف التلميذ/ة متى يستخدم خريطة مستوية أو كروية، أو تصنيف الكائنات الحية، بل ومعرفة نبرة الصوت والأسلوب المناسبين للحضور.
وبموجب هذه الأنماط لا يتوه المعلم/ة ولا يتوه التلميذ/ة؛ أي يحسن الأداء ويسهل التقييم وتنفع التغذية الراجعة.
***
جون كنيدي: "الطفل الذي يساء تعليمه طفل فقدناه".
***
ناثان م. بوسي؛ المربي الأميركي المشهور (1907-2001): "إذا كان من شيء مفقود في التربية والتعليم فهو النقاد".
***
وأخيراً؛ طالما ظل التعليم في الأردن هو الأمل الأول للفرد والمجتمع.