كلّيتي "العلمية الإسلامية"

خطر لي هذا الأسبوع، وأنا أكتب مقالي عن اقتراب البندقية الإيرانية من الحدود الإسرائيلية، نقاشٌ خضته في عمّان نحو العام 1986، يوم كنت طالباً في المرحلة الثانوية، وتحديداً في الكلية العلمية الإسلامية بجبل عمّان. يومها، كان الموقف الأردني مؤيدا للنظام العراقي في حربه مع إيران، وكنّا نغني مع أغنية عراقية يواظب التلفزيون الأردني على بثها "وقفت عمّان وبغداد في خندق واحد".اضافة اعلان
دخل الأستاذ خميس عايش الصف يدعونا للمشاركة في حملة وطنية لدعم العراق. وكنت في تلك السن، كما أغلب جيلي، متأثرين بالإسلام السياسي، فوقفت أقول إنّ صدام حسين بعثي اشتراكي لا يجدر دعمه، وأضفت أنّه بعد اكتشاف فضيحة "إيران غيت"، وحصول طهران على سلاح إسرائيلي، سقط أي اعتبار للتضامن مع إيران، وسقط اعتبارها "ثورة إسلامية". وقلت: "لا علاقة لنا بهذا الصراع". حاول الأستاذ خميس إقناعنا أنّ التبرع للشعب وليس النظام، وأنّ كل ما سنجمعه "رمزي، ولا يشتري دولاب طائرة". وفوجئت أنّ التبرعات جُمعت في مختلف الصفوف إلا صفي، وغضبت من ذلك حينها لأني أردت أن لا تُجمع أبدا.
لاحقاً، وبعد سنوات، عندما فكرت في الأمر، شعرت بالامتنان لاحترام المدير للنقاش وعدم محاولته الضغط أو تجاهل منطق أحد طلبته. وشعرت بالامتنان لتشجيع أستاذي، "التحريري" التوجه، رحمه الله، صلاح سميك، لي وامتداحه "القدرة على النقاش".
كانت الكلية العلمية منظومة متكاملة تدهشني في طفولتي؛ مبانيها، بدءا من برج الساعة بحجره الوردي، والساعة التي جاءت من لندن وتعمل بطريقة ميكانيكية معينة، إلى فكرة أن كل سور ومبنى تبرع به شخص، ومسرح المدرسة وملعبها الدولي في الخمسينيات، إلى أشخاص مروا فيها بدءا من الملك الحسين رحمه الله، وفي زمني كان الأمير علي في المدرسة ذاتها، إلى شخصيات كثر منهم من قيادات الإخوان المسلمين، يوسف العظم، ومؤسس حزب التحرير، تقي الدين النبهاني، اللذان قاما بالتدريس هناك. ولا ينفصل ذلك عن القسم الداخلي الذي كنا نشاهد فيه طلبة جاؤوا من بلدان أخرى للدراسة، ونجوم النادي الأرثوذكسي لكرة السلة الذين كانوا طلبة في المدرسة.
كان موضوع المباني الجميلة التي تبرع بها محسنون بسخاء، تدفعنا كطلبة لتوقع أنّه يمكن أن ننجز شيئاً. لذلك، لم نكن نجد صعباً أن ننظم حملات تبرعات للفقراء. ومن ذلك سيدة كانت تقيم في خيمة في وادي صقرة، وعندما عهد إلى الطلاب الذهاب لدفع التبرع، كانت "كمشة" من فئة الدينار ونصف الدينار و"الفكّة". ولم يكن غريباً أن نحاول تأسيس حزب "دار مكافحة أخطار الاستعمار" في الصف الثالث الإعدادي.
في الجامعة الأردنية، كنت ناشطاً سياسياً، وكنت وأصدقاء نتوجس من طالب أكبر سناً (بنحو 20 عاما)، إلى أن جاء يوم تورطنا مع حارس أمن في الجامعة، ضرب بقسوة مبالغ فيها طفلا يبيع العلكة (يتسول) داخل الجامعة، فاصطحبنا الأمن لمكتبه مع نية اتخاذ إجراءات تأديبية لنا، وكان ذلك الطالب يتابع المشهد. بعد فترة من جلوسنا في مكتب الأمن جاء اتصال هاتفي أنهى الموقف بود وتفاهم. خمّنا، وتيقنا لاحقاً، أنه عبر ذلك الطالب، فبدأت علاقة ودية حذرة معه، لأكتشف أنّه خريج الكلية العلمية، وليحدثني عن مطلع السبعينيات، وكيف كان الأستاذ أنور الحناوي، مدير المدرسة حينها، يحاول التقليل من انجراف طلبة المدرسة مع الجو السياسي المشحون خارجها، وتقليل تعطيل الدراسة للخروج في مظاهرات وغيرها، وصارت الكلية موضوعاً لحديثنا.
كتبتُ منذ نحو عشرين عاماً كتاباً لصالح مركز الأردن الجديد، بتشجيع الصديق هاني الحوراني، الذي أخبرني أيضاً أنه قام بمعرض رسومات في ردهة مسرح المدرسة، ربما نهاية الستينيات، قبل أن تأخذه السياسة للانضمام للجبهة الديمقراطية والانتقال للبنان. للأسف، لم يتم نشر الكتاب حتى الآن، رغم عودتنا قبل سنوات، وقبل إقفال مركز الأردن الجديد، لتحديثه ووجود مؤلف مشارك، هو الأستاذ زياد سلامة، الذي كان يعمل في المدرسة، ورغم جهود هاني الرائعة بتزويد الكتاب بصور قيمة ونادرة.
شعور القدرة على بناء صرح من لا شيء، كما حدث مع الكلية نهاية الأربعينيات، وتلك الوسطية والتعددية، والاحترام والتقبل، أمر نريده بلا هوادة.