كل شيء على ما يرام

بالأمس زارني محمد طمليه!

مرّ وقت طويل من دون أن أتذكره. لا أعرف لماذا، إذن، يعود إليّ من باب الغيب!

وقف كـ"باشق" ضئيل يستعدّ للانقضاض على فريسته الضخمة. وقال: حتى الساخرون يموتون هم أيضا.

اضافة اعلان

 لعلّه خشي على الأمور من بعده. ربما ظن أنها قد تكون خرجت عن السيطرة، فعاد للاطمئنان!

حسن. كنت أريد أن أؤكد له أن كل شيء على ما يرام. لكنه لم يطل البقاء. مضى مثلما حضر، من دون أن تتاح لي فرصة أن أحدثه بما فاته من أحداث في ميتته القصيرة.

كنت أريد أن أقول له إن مجلس النواب، مثلا، انحلّ قبل أن يتمم عامه الثاني. لا أدري هل كان سيعنيه خبر كهذا؟

 كنت أريد أن أخبره بأن صلاح حزيّن "أعطاك عمره"، وأن أسامة بن لادن ما يزال مفقودا في جبال تورا بورا، وأن أيمن الظواهري يتحفنا باستمرار بآخر إصداراته من الفتاوى التي يخرجها لنا طازجة من غير أن يمسسها أحد.

كنت لا بدّ محدثه عن غزة. وكيف انتهى بها عام وبدأ بها آخر، وكيف أن الشعب هناك ما يزال يعيش سعيدا بزوال احتلال أبناء جلدتهم، وبناء دولة الإمارة والعدالة والمساواة.

كنت سأحكي له عن حبيبته بغداد. كيف أن ستة أعوام، فقط، تمرّ عليها اليوم وهي ما تزال ترفلُ بالاحتلال البهيج، وكيف أن الأشقاء والأبناء اعتادوا الأمر، حتى لم يعودوا يذكرون لها ماضيا كانت فيه حرّة.

كنت سأشاركه مخاوفي الشخصية؛ حول آخر الأنباء عن إنفلونزا الخنازير. لعلّه لم يسمع به من قبل. حسن. سأطمئنه قليلا، وأقول له إن أعداد المصابين والمتوفين بقيت ضمن الأرقام العالمية المعقولة، فلا داعي للفزع.

 كنت أريد أن أجالسه كما لو أنه لم يمت من قبل. أسأله عن حاله، وأقول له إننا افتقدنا وجوده؛ كلامه القليل، سيجارته التي تطول "زهرتها" وتنحني قبل أن تقع على أي مكان، الورق المهترئ الذي كان يكتب عليه مقالاته، مشاريع الروايات الكثيرة التي لا تكتمل أبدا، وربما الشتائم الجديدة التي كان يبتكرها دائما، ويحاول الاحتفاظ بحقوق ملكيتها كاملة.

 كنت أريد أن أجالسه قليلا فقط، لأقرأ ما كتبه محمد القيسي، الذي سبقه في الموت، ذات يوم، حين قال:

 "أجل يا محمّدْ.

 تظل المسافة أبعدْ. وما فاتنا من حسراتٍ يظلّ يفوتْ.

 أجل أدركتنا الفنادق بعد انطفاء البيوتْ".

كنت أريد أن أقول له: كل شيء على ما يرام!