كيف جعلونا قطعاً فائضة..!

نتندر على فنّي الميكانيك الذي يفكك قطعاً من سيارتك، وحين يعيد تركيبها يُريكَ مجموعة من البراغي والعزقات، ويزعم أنّها "زيادة" لا لزوم لها. وليستْ هذه القصّة طرفة، فقد حدثت معي شخصياً. وقد تساءلتُ في ذلك اليوم عن "غباء" الألمان واليابانيين الذين يضعون قطعاً بلا فائدة في المحرك، يكتشفها عباقرتنا المبدعون، فيرمونها ويخففّون زحمة المحرك. لكنه تبين لاحقاً أن القطع التي استأصلها الفنّي من سيارتي كانت هي التي تشغّل "الدعسة الفجائية" في السيّارة!اضافة اعلان
هذه الممارسة وتفرعاتها طبع ثقافي، يجلّيه احتقار التفاصيل، وانتفاخ قائمة الأشياء التي لا تلزم عندنا، ونحول قائمة ما يلزم، باعتبار أنّ تسيير الأمور كيفما اتفق هو المهم، على قاعدة "شيل عن ظهرك". وينطوي هذا النمط الشائع من التفكير على مغالطة بنيوية، فهو يُهمل حقيقة أنّ كل تكوين كُلّي ليس سوى مجموع تفاصيله الصغيرة، فحسب؛ وأن انحرافاً أو تشويهاً في تفصيل صغير يمكن بسهولة أن يفسد عمل الآلة جميعاً. وعلى غرار فنّي السيارات الذي يُلقي بالبراغي "الفائضة"، يهمل طبيبٌ قياس ضغط المريض قبل تخديره لمداخلة جراحية، فيقتله. ويهمل مترجم "أل التعريف"  في قرار للأمم المتحدة، فلا يعود الاحتلال في فلسطين مُلزماً بالانسحاب من كل الأراضي التي احتُلّت سنة 1967.
وفي ثقافتنا التي تزعُم الشمولية وكثرة الإنجازات (ما شاء الله) حيث لا مكان للسفاسف والجانبيات، لا أهميّة لتعليم الأولاد في المدرسة الرسم والرياضة والموسيقى، بل ولا يجب احتسابها في مجموع العلامات لأنّها كلام فارغ وتلهي الطلاب عن طموح احتراف الطب والصيدلة. وفي حياتنا اليومية، لا ضرورة ولا متسعاً للكتب والقراءة لأننّا مشغولون بالأهمّ. أمّ الكُتابُ والروائيون والشعراء والممثلون والرسامون، فأناس "مُش لاقيين إلهُم شَغله"، ويعتقدون بأنّنا لا نستطيع العيش بلا شعر ولا موسيقى. وفي الحقيقة، يصعب حصر الأمور التي يعتبرها مواطنونا "قطعاً فائضة" لا لزوم لها. والمحيّر أنّ كل هذا الانشغال المهووس بهذه "الأساسيّات" و"الجدّيات" أنتج فقط هذا الواقع البائس الذي نعرفه كلنا ولا داعي لوصفه.
الأبلى من ذلك والأنكى، ولأسباب تتصل بالمقدمات أعلاه وغيرها، هو أنّ صفة "الأساسي" أو "الفائض" المفروضة من أعلى، توجِّه اختيارات المواطن وأحكامه وأداءه. فأولاّ، لا بُدّ أن يكون كل الذين يزاولون الأعمال "الفائضة" فائضون هم أنفسهم ولا لزوم لهم مثل "براغي" صاحبنا الميكانيكي. وأعرف أصدقاء لي يدرّسون الموسيقى في مدارس الحكومة، لكنّهم في الحقيقة لا يعلّمون الطلاب نوتة واحدة ولا يُداوِمون. ولِماذا يُداومون؟ ثانياً، تدفع هذه الاتجاهات بالمهنيين إلى اللامهنية وتفضيل الاستسهال، على اعتبار أنّ التفاصيل لا تهمّ و"كل شي ماشي،" فتكون المُخرجات في معظم مناطق الإنتاج المحلي رديئة ولا تصمد لأبسط اختبارات الجودة؛ ثالثاً، ولأنّ معظمنا مريدون مخلصون لهذه الثقافة بشكل أو بآخر، فإنّ أحداً منا لا يخشى احتمال التعرض للمساءلة عن إغفاله العناية بتفاصيل عمله، لأنّ السائل والمسؤول كلهم "في الهمّ شَرقُ".
أمّا العرَضُ الموجع الذي يأتي قبل ذلك وبعده، وفوقه وتحته وعن يمينه وشِماله، فهو أن تصنيف "الضروري" و"الفائض" يطال كيانَ المواطن نفسه. وفي هذه الحسبَة، يعيش لدى السواد الأعظم من مواطنينا مع إحساسٍ طاغ بأنّهم فائضون، وبأنّ "الضروريون" فقط هم أولئك القليلون المميّزون بشيء يكاد يستحيل تشخيصه والعثور عليه. وبشكل عبقري، على طريقة الميكانيكي الفنّان الموصوف أعلاه، يصرُّ أولئك القليلون على أنّ كل المواطنين الآخرين زائدون وغير ضروريين، ويسبّبون الألم مثل الزائدة الدودية. بلْ يستخدم هؤلاء كل وسائلهم الوفيرة لإقناع المواطن بأنّه وضيع وبأنّ حضوره وغيابه سيّان.
بالطبع، يُمكن أن يشتري الميسورون لأنفسهم صفة "ضروري" بالمال. ويستطيع بهلوانات آخرون تسويق موهبتهم في السير على الحبال لأولئك "الضروريين"، فيستمدون منهم الهالة على طريقة "(خادم) الشيخ شيخ." ودائماً ما يُقارن ناسُنا العاديون إنسانيتهم المُفتقدة بالغرب، فيقولون: "هناك يحسُّ الواحد بأنّه إنسان، وضروري". أما هُنا، فحولك أشخاص لا يمكن أن تحزر ماذا لديهم أكثر منك ليكونوا "أساسيين" بعكسك. وفي الشارع والعمل، يُستوطأ حائط الجميع: "بتعرف مع مين بتحكي؟" أما أنتَ، و99.9 % من مواطنيك، ففائضون في المحرك، لا محلّ لكم من الإعراب!

[email protected]