لا أكذب..لكني أتجمل

الكذب إخبار بالشيء أو عرضه خلافا لما هو عليه عن علم وقصد. ولا يدخل العرض أو الإخبار دون معرفة وقصد ضمن تعريف الكذب، بل يقع تحت ما يمكن أن يطلق عليه الجهل أو الخطأ. ويلجأ البعض للكذب كوسيلة دفاعية عن الذات، ويحدث عندما يستشعر الفرد بالتهديد في البيئة التي يعيش فيها. وقد يتطور الكذب ليصبح عادة مرضية يصعب على الفرد الإفلات منها.اضافة اعلان
من الناحية النظرية تجمع الثقافات الإنسانية على أن الصدق قيمة يحرص الجميع عليها ويجري الحديث عنها كميزة يحب الفرد أن يراها الناس في أقواله وأفعاله. في حياتنا اليومية يبدأ الناس حديثهم بمناشدة الآخرين بأن يصدقوهم، فيقول المتحدث للمخاطب "صدقني" أو "صدقا". ويؤكد مرارا  ويقسم أغلظ الأيمان على انه يقول الصدق.
الوعاظ يتحدثون عن مخاطر الكذب من منطلقات دينية وأخلاقية ويشيرون إلى أنه سلوك حرام وصفة غير محببة، يضر بموقف من يلجأ له. فالكذب سمة للنفاق وسرعان ما ينكشف "حباله قصيرة".  
بالرغم من موقف الثقافة العربية الرافض للكذب إلا أن هذا الموقف لا يعتبر حاسما، فهناك العديد من التبريرات التي ابتدعتها الثقافة لإضفاء شيء من القبول أو التسامح مع من يلجأون للكذب في بعض   الأحيان، كالقول بأن "الكذب ملح الرجال" أو أن  "الكذبة بيضاء" كناية عن أنها غير مؤذية. وأحيانا امتداح المبالغة واعتبارها صناعة أدبية يستحق صاحبها الثناء والإطراء. وفي حالات أخرى مكافأة الأشخاص الذين يجيدون التملق والكذب والنفاق والمجاملة بل الذهاب إلى أبعد من ذلك واعتبارهم نماذج للشخصيات الناجحة.
مع التغيرات التي طرأت على المجتمعات البشرية وعلاقات الأمم وتعارض المصالح، أصبح الكذب جزءا من الأدبيات العالمية التي يستخدمها الدبلوماسيون في عرض مواقفهم، فأصبح لدى الجميع اجندات ظاهرة وأخرى خفية بعضها خارجي وآخر داخلي، حتى الحقائق والأرقام يمكن أن تعرض على وجهين أو اكثر.
من يتابع الإعلام المسموع والمرئي يسمع كثيرا كلمة "أكيد"، فبين كل جملة وجملة يستخدم الشباب والشابات كلمة أكيد. لا أدري من أين تسللت هذه المفردة السحرية للغتنا لتستخدم بهذه الكثافة التي تفرغ الرسائل الإعلامية من مضامينها أو تضعفها على أقل تقدير. 
في إحدى المرات استخدم أحد نجومنا الشباب كلمة "أكيد" 19 مرة في الأربع دقائق الأولى من برنامجه، وفي كل مرة كنت أشعر بأنه يقول لنا إنه غير متأكد مما يقول ولا من أننا نصدق ما يقول.
الكذب التجميلي يغزو حياتنا في كل المجالات، فقد أصبح هناك برامج لتعليمه في المعاهد والجامعات ابتداء من كيف تقدم نفسك في مقابلة التوظيف إلى الطرق التي يتعلمها الباعة لعرض بضاعتهم اضافة إلى الأعداد الهائلة من الشباب الذين اصبحوا يقدمون أنفسهم كخبراء تنمية بشرية.
الساسة يقدمون بيانات تجميلية حول أدائهم أيضا ويتباهون أحيانا بنجاحاتهم في تمرير قرارات غير شعبوية، متناسين أن الأمة مصدر السلطات وأن شعبوية القرارات ضرورية لالتزام الناس بتنفيذها.
الرغبة في التجمل تدفع بالكثير من الصبايا العاملات في معارض الملابس أان يخاطبن الزبائن باللهجة السورية، وميل مذيعات إذاعاتنا المحلية للحديث باللهجة اللبنانية وأنصاف المثقفين لزج بضع كلمات انكليزية في حديثهم وتقديم المطربين لألبوماتهم الجديدة باللهجة المصرية.. وبعض الباحثين عن فرص استثمارية وراغبين في خدمة استثنائية باللهجة الخليجية.
اللهجة الأردنية واللغة العربية البيضاء لم تعد جاذبة لكل الراغبين في الكذب سواء كان ذلك عادة أو ضرورة أو رغبة في التجمل؛ فالكل يبحث عن هوية خارج الهوية.