لا تتجوع يا سمك البحر!

لطالما كانت القاعدة الذهبية البدهية في الصحافة، متمثلة في أن الخبر الجدير بالنشر، والقراءة بالتالي، هو ذاك المخالف للمتوقع والمنطق والمعقول. وإذ ينطبق ذلك تماماً على رحلة اللجوء العربية إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط، فإن مصير مئات الضحايا اليوميين تقريباً، يكاد يغيب عن الإعلام العربي، فيما ينشغل به الإعلام الغربي؛ سواء بطرح تبعات هذا التحدي/ التهديد، أو على صعيد المعاملة الإنسانية/ اللاإنسانية للمهاجرين "غير الشرعيين"، بما في ذلك سؤال وجوب المبادرة إلى إنقاذهم في عرض البحر، من عدمه!اضافة اعلان
طبعاً، ليس المقصود هنا الجانب الإنساني للمأساة، في إقليم صار يقتات، منذ سنوات، الأشلاء والدماء فقط. بل المفارقة التي يُفترض أن تكون ماثلة أمام الجميع، تبرز باستحضار شعار الستينيات الحي حتى اليوم -سخرية وأسى- للإعلامي المصري أحمد سعيد، حين كان يطالب من إذاعة "صوت العرب" في القاهرة، سمك البحر الأبيض المتوسط بـ"التجوع" (تجوع يا سمك البحر)، لحين إلقاء الإسرائيليين إليه!
طبعاً، كان "المتوسط" ليكون ميتاً، لو صدق سعيد وجمال عبدالناصر. لكن أسماكه اليوم تأكل العرب وحدهم، وهم يسعون إلى الفرار من "أوطانهم" بأي ثمن كان، بما في ذلك المقامرة بالحياة ذاتها.
هو حصاد "الربيع العربي"؟ العكس هو الوحيد الصحيح. فجزء مهم جداً من تفسير "الربيع العربي"، بل وتحديداً مآسيه بدعوى كونه مؤامرة كونية، ليس إلا تفريغ المنطقة من خيرة شبابها المتعلمين، بحثاً عن الكرامة، في قناعة بأنه "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان". فمثل هذا "الاستنزاف للعقول" كان يعني إعاقة نمو الاقتصاد وجوانب الحياة الأخرى حد الشلل، فيما يواصل الفساد نهب القليل المتبقي، فلا يبقى للشعوب إلا الانتفاض، طالما أن الخيار هو بين الموت والموت.
ولعل ما يلخص اليأس العربي قبل "ذريعة الربيع"، تلك القصة التي تداولها الإعلام قبل سنوات طويلة، عن الأم الجزائرية التي فقدت أحد أبنائها في رحلة اللجوء إلى أوروبا، أو كادت، لكنها عادت برغم ذلك تجمع المال ليجرب ابنها الثاني أو الناجي، مرة أخرى، ذات الرحلة/ المقامرة.
لكن ربما يكون عذر التجاهل العربي لتحول مئات العرب إلى طعام لأسماك "المتوسط"، هو أن الواقعة وإن كانت الأحدث، إلا أنها ليست سابقة أبداً في محنة أهل الأرض الأصليين في العالم العربي. ففي آخر حروب حزب الله مع إسرائيل في العام 2006، كانت المفارقة أوضح، ولربما أقسى.
آنذاك، بقي الإسرائيليون؛ وهم القادمون من أصقاع الأرض كافة، في فلسطين التي استوطنوها على حساب أهلها. أما السفن الغربية، ومن بلدان شتى، فقد تحركت لإجلاء العرب اللبنانيين، "المحظوظين" بجنسية أخرى غربية! فكان أن ضاقت قبرص، المحطة الأولى في الرحلة، بالواصلين إليها فراراً من وطنهم إلى بلدان جنسياتهم، حد المبيت على أرصفة أحياء الجزيرة.
لأمد طويل لن يتجوع سمك البحر، بل ربما يموت تخمة من كم أشلاء العرب، المختلطة غالباً بالبارود والأسلحة الكيماوية، والتي تمثل آخر ما يربط بالوطن والوطنية العربية.