لا نعدكم إلا الموت!

في الطريق إلى الضربة الجوية الأميركية، المفتوحة على احتمالات التوسع، رداً على استخدام نظام بشار الأسد السلاح الكيماوي ضد الشعب السوري؛ صار طبيعياً ومنطقياً استعادة الدرس العراقي عقب الغزو الأميركي في العام 2003، ثم تدخل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، بقيادة الولايات المتحدة، للإطاحة بمعمر القذافي، باعتبارهما يقدمان الدليل القاطع على أن العرب لا يتعظون من الماضي، حتى القريب منه جداً، بكل مآسيه.اضافة اعلان
وإذا كان من الممكن الجزم بأن عربياً واحداً لا يمكن أن يختلف مع هذه الحقيقة المؤلمة، إلا أن السؤال يظل هنا: من هم العرب الذين لا يتعظون فعلاً بالماضي؟ وبالتالي، من هي الفئة المسؤولة تحديداً عن استجلاب التدخل والغزو الخارجيين؟
استناداً إلى الدرس العراقي، يطالب أنصار الأسد السوريين وغيرهم من العرب المؤيدين للضربة علناً أو ضمناً، بالاتعاظ من رعب غياب الدولة، والاقتتال الطائفي، عقب الإطاحة بنظام صدام حسين. فيما تبرز في درس ليبيا ما بعد القذافي سيطرة الفصائل الإسلامية المتشددة والمتطرفة والتكفيرية. لكن، هل ثمة من ينكر أن مآسي العراق وليبيا هي ما تعيشه سورية اليوم فعلاً تحت حكم الأسد؟ وفوق ذلك، أليس من يمارس الإقصاء والاستئصال الطائفي في العراق حتى اللحظة، هم حلفاء الأسد الحاكمون بقرار وتأييد إيرانيين؟ ثم، ألم يغدُ القادمون على ظهر الدبابة الأميركية حكاماً للعراق بعد العام 2003، "ممانعة ومقاومة" برأي أنصار الأسد ذاتهم؟
وإذا كانت القضية فعلاً هي الحرص على (ما بقي من) سورية وشعبها، فإنه لن يكون بإمكان أحد إنكار أن سطوة "القاعدة"، بكل تفريعاتها ومسمياتها، في سورية، إنما تناسبت وتتناسب طردياً مع الحل الأمني لنظام الأسد، وليس العكس. وبشديد وضوح، وبعيداً عن المناكفة والمكابرة، فقد ازدادت "القاعدة" قوة في سورية بفضل استمرار الأسد، واستمرار حلوله التدميرية ضد الشعب السوري منذ كان مطالباً سلماً، أعزل من أي سلاح، بالحرية والكرامة.
لندع الحديث البائس عن دروس التدخل الخارجي؛ فالحقيقة هي أن ما عاناه السوريون على امتداد أكثر من عامين ونصف العام، بل وعلى امتداد عقود على يد نظامهم، يكاد يزيد ويلاً وعذاباً عما حملته تلك المسماة دروساً تستدعي الاتعاظ. السؤال الوحيد الذي يجب طرحه الآن: ماذا يقدم الأسد وكل حلفائه، من عرب وإيرانيين وروس، للسوريين الذين يُفترض بهم رفض التدخل (أو سمه الغزو) الخارجي في بلادهم؟ هو عرض واحد وحيد: رفض موت محتمل بغارة أجنبية أميركية، لأجل الموت المحقق، إنما "الوطني والقومي!"، على يد قوات الأسد وميليشا إيران وحزب الله.
فبعد كل ما أنجبه الحل الأمني في مواجهة الثورة السورية من أهوال، يبقى الأسد وحلفاؤه على موقفهم بتخوين الشعب السوري كله، وتنفيذ حكم الإعدام بحقه جماعياً في كل لحظة. وإذا كان أكثر من مائة ألف شهيد لا يستطيعون التكلم للرد على اتهامهم بالإرهاب، فيكفي هنا استعراض أسماء المعارضين السوريين المطلوب رأسهم، والمعتقلين والمختطفين من قبل النظام، والذين يضمون نخبة النخبة السورية على صعيد الفكر والثقافة والفن، وينتمون إلى كل الأديان والطوائف السورية؛ مسيحيين ومسلمين، سُنّة وعلويين ودروزا وإسماعيليين.
من لا يتعظ بالماضي هم أولئك الذين ما يزالون ينكرون أن سورية، أسوة بغيرها، لا تكون إلا بشعبها، المتمتع بالحرية والكرامة. وهؤلاء وحدهم من يُسألون عن دمار سورية والتنكيل بشعبها، على يد قواتهم ومليشياتهم، كما على يد "القاعدة"، أو بتدخل وعدوان خارجي.