لبنان بين الثلاثاء والخميس!

 لم يكن يوم الخميس الأسود في بيروت، ومناطق لبنانية أخرى إلاّ أحد تجليات التعبئة والحشد الطائفي المستمر منذ شهور، وما تخلل ذلك من عمليات تسلّح من قبل الأطراف المختلفة.

اضافة اعلان

الخميس كان ردّاً سلطوياً، بامتياز، على إضراب المعارضة في الثلاثاء، وفي كلتا الحالتين كان المشهد مروّعاً، لم يخل من إشارات مباشرة وقوية على ما يمكن أن تصل إليه الأمور لو ترك الأمر لـ"الشارع المحتقن"، عندها ستكون القيادات خلف "الشباب المحفّز" لا أمامه، وسيستوي خطاب الاستاذ الجامعي مع العامل الفني مع الأُمي الذي لا يعرف القراءة والكتابة، وسيتحدث الجميع خطاباً واحداً غرائزياً، لا علاقة له بالسياسة، التي ستوضع على الرف، كما يحصل جليّاً في العراق اليوم. ومعارك التطهير الطائفي في أحياء بغداد، ستنتقل إلى بيروت، حيث الخرائط الفاصلة بين أحياء "الطوائف" معدّة، سلفاً، منذ زمن الحرب الأهلية!

مشهد يوم الثلاثاء كان دخاناً أسود، وإطارات محترقة، ومواجهات بالحجارة، ومشهد الخميس أكثر خطورة؛ احتلال لجامعة بيروت العربية، قناصون على أسطح العمارات، أمّا الأهداف فمدنية بامتياز، وأسلحة خفيفة من مختلف الأحجام والاشكال (سواطير، أمواس، مسدسات..)، حصار طلاب مدرسة لمقايضتهم بطلاب الجامعة المختطفين، وصيدا تتحوّل إلى بؤرة توتر بين السنة والجوار الشيعي، وتظهر في المشهد العصابات المسلّحة في المخيمات الفلسطينية (جند الشام، عصبة الأنصار) في صورة تمثل حصاد إهمال الدولة ودورها التنموي والأمني والتعامل اللاإنساني مع اللاجئين، وتعكس أثر انتشار الفقر والبطالة في المدن والمخيمات.

الأسوأ في المشهد هو انتقال وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة إلى دور تحريضي وتعبوي أكبر وأخطر، واتهامات بالجملة واستفزاز، وتجاوز خط الرجعة مع الآخر؛ بينما تتحول مصطلحات كـ"الموالاة" و"المعارضة" لأسماء حركية تخبئ حقيقة الخطاب واللغة المذهبية والفئوية والطائفية. وعلى الرغم أنّ صحيفتي النهار والسفير، حافظتا على درجة معينة من المهنية والمسؤولية، وإن كانت لهما هويتهما السياسية المعروفة، فإنّ باقي الصحف والوسائل الإعلامية والنخب السياسية والمثقفة والكتاب تنازلوا عن الموضوعية والحياد بالكلية وتخندقوا خلف الطائفة والمذهب والعرق.

ربما وصلت حالة التعبئة والاحتقان والإحماء إلى حافة الهاوية، أو ما قبل "ساعة الصفر"، لكن ما يمنع من الانزلاق تماماً إلى الحرب الأهلية هو تجربة الحرب الأهلية السابقة وويلاتها، التي لا يتمنّى أي لبناني العودة إليها، ويعرف تماماً أنه لا غالب ولا مغلوب فيها، إلاّ أنّ صديقي "الشيعي" (الذي التقيته قبل أيام قليلة في بيروت)، وهو أقرب إلى الليبرالية، وإن كان مقرّباً من حزب الله، يؤكد أنّ الحرب الأهلية السابقة، نفسها، لم تشهد التعبئة الطائفية والمذهبية الفجّة الحالية، فقد كانت التعبئة حينذاك ذات طابع سياسي، وكان هنالك "أكثرية صامتة" حقيقية من عامّة الناس، على خلاف الحال اليوم حيث عبئت الأكثرية غرائزياً وعاطفياً، وأصبحت جزءاً حقيقياً من "الحركة السياسية". ويصف صديقي ما يحدث اليوم في لبنان بـ"ترييف السياسة"؛ أي غلبة القيم الأولية والانتماءات غير المدنية (الطائفة، المذهب..) على المشهد السياسي.

يقدّم صديقي "الشيعي" (أذكر الطائفة فقط للتعريف بموقفه) نموذجاً ملفتاً للمثقف الذي ترتبط مصالحه بطائفته، لكنه يحاول أن يحتفظ بخطاب أكثر استقلالاً وأقل تخندقاً، وبمسافة تحترم فكره وعقله، وهي حالة – إلى حدٍّ ما- مختلفة عمّا وقع به أكثر المثقفين والكتاب اللبنانيين، بل والعرب (الذين يتخندقون خلف مواقف أيديولوجية معلّبة مسبقاً). ويروي صديقي مثالاً حيّاً على التعبئة النفسية الخطيرة بابنته الصغيرة التي عادت من المدرسة واصفةً رئيس الوزراء السنيورة بـ "عميل الأميركيين"، ويمكن أن نلتقط حالة مشابهة لها بمعلمة مدرسة أخرى ضربها المدير لأنّها من أنصار التيار الوطني الحر (ميشيل عون).

يرى صديقي أنّ الطرفين (الموالاة والمعارضة) أخطآ وأدخلا اللبنانيين في الجدار! ورفعا شعارات كبيرة، يصعب الرجوع والتخلي عنها؛ فريق 14 آذار ارتكب خطأ رئيسياً برفع شعار "الحقيقة"، والانتقال من الوضع اللبناني إلى الهجوم على النظام السوري، والدفع باتجاه المحكمة الدولية، وهي الخط الأحمر، الذي لن يسمح السوريون بالوصول إليه، مهما كانت النتائج، وأيّا كان الثمن. فكلفة وضع تيار 14 آذار رأسه برأس النظام السوري، باهظة الثمن، كان يكفي ما دفعه السوريون بخروجهم من لبنان، والمطالبة بعلاقات سياسية صحية. أمّا حزب الله فقد أخطأ بالنزول إلى الشارع، وقد علق به الآن، فلا يستطيع الخروج منه (بما يعني الهزيمة السياسية) ولا الاستمرار إلى النهاية (التي ستكون مأساوية)، وأخطأ الحزب بإطلاق مصطلحات التخوين والاتهام، وبخطابه التحريضي القاسي ضد الفريق الآخر.

يعترف صديقي أنَّّ حزب الله سعى بنزوله إلى الشارع لتحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية؛ الأول منع المحكمة الدولية في قضية الحريري، والثاني استيعاب جمهور حزب الله المشدود بعد الحرب، بتوجيه انتبهاهم إلى قضية كبرى أخرى، كي يتناسى حجم الخسارة الكبيرة التي لحقت به من العدوان الإسرائيلي، والثالث إيجاد مناخ جديد للعمل والنشاط وتعويض دور الحزب المفقود في الجنوب بوجود قوات اليونفيل.

ثمة اتفاق بين أكثر اللبنانيين أنّ الثلاثاء والخميس كانا تنفيساً مزدوجاً للسلطة والمعارضة على السواء، لكنهما لا يمثلان ذروة التصعيد، ولا يضعان حدّاً لسيناريو اليوم التالي لساعة الصفر. في المقابل؛ فإنّ البحث عن طرف أو طريق لبناني ثالث خارج التخندق والاستقطاب والاحتقان يبدو مستحيلاً في الحالة الراهنة، لذلك تبقى الأنظار متجهة إلى المحادثات الإيرانية- السعودية- السورية، وإن كان هذا الحل (الإقليمي) غير متوقع في سياق شد الحبل الحالي بين إيران والولايات المتحدة!

[email protected]