لكي نحمي أسماءَهم من النسيان

وجد الياباني كوزو أوكاموتو في عدالة قضية فلسطين عنوانا لتجسيد ثوريّته، فَقَتَلَ في عمليةٍ جسورة 26 إسرائيلياً قبل 38 عاما، قضى فيها رفيقان له، يابانيان أيضا. كان على قناعةٍ بالسلاح وسيلةً للانتصار للمضطهدين، كما النيكاراغوي باتريك أرغويللو الذي شارك ليلى خالد في محاولةِ خطفِ طائرةٍ إسرائيلية، وقُتِل في الجو، قبل عامين من عملية أوكاموتو وصاحبيه في اللد التي تسمّت باسمه. رأى الاثنان أنّه لا معنى لنصرةِ الفلسطينيين من دون مشاركتهم في مقاتلة عدوّهم، كما الفرنسية فرنسواز كيستمان التي أقامت ممرضة بين فلسطينيين في لبنان، ثم تطلعت إلى عملية فدائيّة تُدلل فيها على حُبّها لهم، فراحت شهيدةً في البحر في أثناء مواجهةٍ مسلحةٍ مع جنود إسرائيليين. كانت شغوفةً بالفدائيين الفلسطينيين الذين قال جان جينيه عنهم إنّ أوروبا كلها لا تزيدُ لديه عن خُنصرِ أحدهم.

اضافة اعلان

تُذكرنا بالأربعة خمسُ رصاصاتٍ إسرائيليةٍ قتلت التركي فرقان دوغان (19 عاما) الأسبوع الماضي في البحر، آلمته أوجاع الغزيين فأراد معاونتهم، ثم صار أحد شهداء التوحش الإسرائيلي في عتمة الليل، وكذا مواطنُه إبراهيم بلغين (61 عاما) الذي كان نصيبُه أربعَ رصاصات. اعتنقا فلسطين أفقاً إنسانياً يتطلعان إليه لتأكيد آدميّتهما الحقّة، وكما كل الذين كانوا معهما وأبحروا إلى غزة، هما ليسا من جِبلّة أوكاموتو وفرونسواز وأرغويللو، إنهما محض مُنحازيْن إلى حقوق البشر في الحياة. وليس القاص السويدي هيننغ مانكل (62 عاما) من طراز الفرنسي جان جينيه، زار فلسطين مرّات، ورأى في السفر إلى غزة مع سفن الحرية مزاولةً لانسانيّته التي دفعته مرّة للمساهمة بتبرعٍ لبناء قرىً للأيتام في موزمبيق. والنزعة نفسها جعلت صاحبة "نوبل" للسلام، الإيرلندية ميريد ماغواير، تُكرر زياراتها إلى غزة، فتصدمها معاناةٌ هائلةٌ هناك.

فلسطين، إذن، بعدالةِ قضيّتها، قادرةٌ على أن تبقى مُشتركاً إنسانياً للأمم والشعوب. وفي جريمتِها الأسبوع الماضي، أظهرت إسرائيل أنها لا تحتمل هذا الأمر، ولم تكن قد عاقَبت بما يستحق سائقَ الجرافة الذي قتل راشيل كوري، لمّا تصدّت له عندما أراد هدم منزلِ أسرةٍ فلسطينية. ولم تُحقّق في تمزيقِ قذائفِها جسد الألماني الستيني هارولد فيشر إلى أشلاء، وكان مقيماً بين أهل بيت جالا يُسعفهم ويُداوي مصابيهم. كان قتلاً إسرائيلياً مكشوفاً، كما الذي قضى فيه محبّون آخرون للفلسطينيين، منهم الإيطالي رفائيل تشيرللو، بمدفع دبابة في أثناء تصويرِه عدواناً في رام الله، والبريطاني إيان هوك الذي قتله جنودٌ عند محاولتِه إقناعَهم بمغادرة نساءٍ وأطفالٍ من أهالي مخيم جنين مبنىً لوكالة الغوث حوصروا فيه، ومواطناه توم هورندال الذي استهدفه قناص إسرائيلي في أثناء مساعدته أطفالاً فلسطينيين لعبور شارع، وجيمس ميللر لدى تصويرِه تدمير منزل في مخيم رفح.

سلالة أنصار فلسطين طويلة، تستمرُّ منذ كان فدائيون لا وجهةَ لبنادقِهم إلى غيرِ المحتل، وصولاً إلى الراهن المُخزي. والدعوة هنا إلى أن نحميَ أسماءَهم من النسيان، وبينهم من قصدوا غزّة بحراً ولم يصلوا، ومن يتقاطرون إلى فلسطين للتظاهر ضد جدار الضمّ العنصريّ وهدمِ المنازل وقلع أشجار الزيتون، إحداهم الإيطالية جوليا باليكو التي قالت إنه عارٌ أن يُغلق أحدٌ عينيه فيما ترتكب إسرائيل جرائِمَها ضد الفلسطينيين. أما البريطانية آنا ويكس فاعتقلها الاحتلال ورحلها، ثم عادت بعد صعوبات، لتتبرع بكليَتِها لطفلةٍ فلسطينية فاقم حصارٌ إسرائيلي في الضفة الغربية مرضَها. وتستدعي متواليةُ أسماءِ عديدين سؤالاً: ما هو الجوهريّ الفلسطيني الذي يصلُ راديكاليّة كوزو أوكاموتو وباتريك أرغويللو وفرونسواز كيستمان وجان جينيه بحمائمية راشيل كوري وميريد ماغواير وآنا ويكس وهيننغ مانكل؟

[email protected]