لماذا لا تجدي المساعدات؟ (2/2)

على صعيد إصلاح الفشل في نظام المساعدات التنموية، والاعتماد على الجهود الوطنية المحلية لرجال الأعمال والمصلحين الاقتصاديين والسياسيين، يبدو التقدم إلى الأمام محفوفا بالمصاعب السياسية؛ وثمة حاجة إلى تقييم علمي مستقل حقاً لجهود مساعدات محددة؛ ليس تقييمات لبرنامج تطوير شامل على امتداد الأمة، بل تقييما محددا ومتواصلا لأعمال تستطيع وكالات التنمية الاستفادة منها. والضغط السياسي الخارجي على وكالات التنمية هو وحده القادر على خلق الدوافع لإجراء تلك التقييمات.

اضافة اعلان

في دراسة للتقييم أجراها البنك الدولي في العام 2000، بدأت الدراسة بالاعتراف أنه"رغم صرف بلايين الدولارات على مساعدات التنمية كل عام، فمازال لا يعرف سوى القليل عن الأثر الفعلي لتلك المشروعات على الفقراء".

الحل واضح بقدر ما هو مكروه: إقامة مجموعة مستقلة حقاً من ذوي الاختصاص في التقييم، والذين لا يعانون من تضارب المصالح مع البنك الدولي أو غيره من البنوك العالمية متعددة الجنسيات. بطبيعة الحال، لا بد أن يكون هنالك دوافع لعمل شيء في ضوء النتائج؛ تخصيص الأموال لبنوك التنمية متعددة الجنسيات، زيادةً أو تخفيضاً، في ضوء سجلها في العمل كما يصنفه المُقَيِّمون المستقلون. كما يتوجب الإشادة ببنوك التنمية الدولية إذا ما أوقفت تمويل مشاريع فاشلة، أو إصلاحها إذا كانت قابلة للإصلاح. كما يتوجب عقاب الفشل باتخاذ إجراءات تصحيحية للمشروعات الفاشلة.

النجاح من خلال التقييم

في العام 1997، قدم مساعد وزير المالية المكسيكي، سانتياجو ليفي، وهو اقتصادي مرموق، برنامجاً مبتكراً لتمكين الفقراء من مساعدة أنفسهم، وقد نص البرنامج الذي حمل اسم بروجريسا (Programa Nacional de Educaci?n, Salud y Alimentaci?n) على تقديم منح نقدية للأمهات إذا ما أبقين أطفالهن في المدارس، واشتركن في برامج التعليم الصحي، وجلبن الأطفال إلى المراكز الصحية لتناول الأغذية الإضافية، والرضوخ للفحوصات الدورية. وحيث إن موازنة المكسيك الفيدرالية لم تكن لديها الأموال الكافية للوصول إلى كل مواطن، فقد منح ليفي الأموال الشحيحة المتاحة بطريقة تضمن التمكن من إخضاعها للتقييم العلمي. إذ اختار البرنامج مائتين وثلاثا وخمسين قرية بطريق القرعة لتلقي المساعدة، مع اختيار مائتين وثلاث وخمسين قرية أخرى لم تقدم لها المساعدات لإجراء عملية مقارنة. وقد تم جمع المعلومات عن جميع القرى الـ506، قبل وبعد الشروع في تنفيذ البرنامج. وقد منحت حكومة المكسيك مهمة تقييم البرنامج إلى المؤسسة الدولية لأبحاث سياسة الأغذية(IFPRI)، والتي أجرت دراسات أكاديمية لنتائج البرنامج.

أيدت الدراسة الأكاديمية فاعلية البرنامج؛ فقد تبين أن الأطفال الذين تلقوا برنامج بروجريسا قلت إصابتهم بالمرض بنسبة 23%، وزاد طولهم بمقدار 1-4%، وانخفض فقر الدم لديهم بنسبة 18%. كما قل عدد أيام التعرض للمرض لدى الشباب بنسبة 19%، وتحققت زيادة بنسبة 3.4% في الالتحاق لجميع الطلبة في الصفوف المدرسية من الأول إلى الثامن؛ وكانت الزيادة أكثر من غيرها بين البنات اللواتي أتممن الصف السادس، وبنسبة بلغت 14.8%.

وفي المسار نفسه، لاحظ الناس في قرية صغيرة اسمها بونافيستا أن البرنامج قد أحدث تغييراً؛ فقد قالت أمٌ إنها تستطيع أن تطعم أطفالها اللحمة مرتين في الأسبوع، تدعيماً لأكل التورتلا، وذلك بفضل المساعدة التي تلقتها من برنامج بروجريسا. ولاحظ أستاذ اسمه ساندياجو دياز أن الدوام في المدرسة التي تضم غرفتين قد ارتفع، وأضاف إلى ذلك قائلاً:"إنه بسبب التغذية الأفضل أصبح الأطفال أكثر قدرة على التركيز لمدد أطول. ولمعرفتهم بأن الفوائد التي تحصل عليها والدتهم تعتمد على وجودهم في المدرسة، فقد أبدى الأطفال رغبة أكبر في التعلم".

وكون البرنامج حقق نجاحاً واضحاً وموثقاً، فقد استمر العمل به على الرغم من رفض الناخبين للحزب الحاكم على مدى زمن طويل في ثورة المكسيك الديمقراطية في العام 2000. وبحلول ذلك التاريخ، كان برنامج بروجريسا يصل إلى 15% من عائلات المكسيك، وبلغت موازنته 800 مليون دولار. وقد توسعت الحكومة الجديدة في تطبيقه بحيث أصبح يشمل الفقراء في المدن، وبدأ تنفيذ برامج مماثلة في البلدان المجاورة، بدعم من البنك الدولي.

الدرس الذي يمكن أن يتعلمه دعاة إصلاح المساعدات هو: الجمع بين حرية الاختيار والتقييم العلمي يمكن أن يبني التأييد لبرنامج مساعدات من خلال التوسع سريعاً في برامج ثبت نجاحها. إن النقد(المال) للتعليم وللتغذية يمكن التوسع به مع تعديلات محلية مناسبة، لعدد أكبر من البلدان، وعلى نطاق أوسع كثيراً مما هو عليه الآن. برنامج مثل هذا في إثيوبيا يمكن أن يُخلّص أماريتش وغيرها من الفتيات القاطنات في ضواحي أديس أبابا من عبودية حمل الحطب، والالتحاق بالمدارس حيث يكتسبن المهارات التي تمكنهن من الخروج من دائرة الفقر.

هل جاء الوقت؟

لقد حان الوقت لوضع حد لمأساة فقراء العالم الثانية، الأمر الذي سيساعد على وضع حد للمأساة الأولى: أن يصبح في مقدور الفقراء وضع مراجعة لعاملين يخضعون للمساءلة، حول ما يعرفون وما الذي يريدونه أكثر من غيره، ويحتاجون إليه. إن الأحلام المثالية الكبيرة حول إنهاء الفقر في العالم، مثل برنامج التنمية الألفية النابع من الأمم المتحدة، لا يضع أحداً في موضع المساءلة. ألا نستطيع أن نضع العاملين في برامج العون في موقع المساءلة، حيث يقومون بإيصال أدوية ثمنها 12 سنتاً للأطفال للحيلولة دون وفاتهم بالملاريا، وتزويد شبكات منع الناموس لأسر الفقراء بكلفة 4 دولارات لمنع الملاريا، وإعطاء 3 دولارات لكل أم جديدة للحيلولة دون وفيات الولادة، وضمان دخول أماريتش إلى المدرسة؟

وليم إيسترلي هو أستاذ الاقتصاد في جامعة نيويورك، وقد عمل لمدة ستة عشرة عاماً كباحث اقتصادي في البنك الدولي.

خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع مصباح الحرية، www.misbahalhurriyya.org