لمن الغلبة اليوم؟!

ربط كلّ من السياسيين المقربين من الدولة، والمعارضة السياسية (هنا في عمّان)، استجابتهم للحظة الربيع العربي بما يحدث في المنطقة من تطورات.
الطرف الأول راهن، منذ البداية، على فشل الثورات العربية وتراجع زخمها، بوصفها "غمامة صيف" عابرة، ثم يعود "النظام القديم" لاحتواء التحولات الشعبية، والالتفاف على هذه المطالب، والتكيف مع "البيئة الجديدة".اضافة اعلان
في المقابل، بنى الطرف الثاني رهاناته على أنّ ما يحدث من ثورات واحتجاجات سيقوي شوكته في مواجهة الدولة، ويفرض موازين قوى جديدة، عندما يجد النظام نفسه محاصراً بحكومات ديمقراطية أو إسلامية في المنطقة العربية؛ مما أدّى إلى رفع سقف الشعارات والمطالب السياسية التي يعلنها إلى إعادة "هيكلة النظام السياسي"، وتغيير قواعد اللعبة الداخلية.
على وقع التحولات والأحداث الإقليمية، وتحديداً ما يحدث في كلّ من سورية ومصر، أدارت الأطراف السياسية المحلية رهاناتها وتوقعاتها؛ ارتفاعاً وانخفاضاً. وبدا وكأنّ المشروع السياسي الوطني بأسره يتأرجح بانتظار ما ستسفر عنه هذه التطورات والتحولات المتسارعة في المنطقة!
السؤال الآن: لمن الغلبة اليوم؟ هل ترجّح هذه الأهوال المحيطة بنا كفّة طرف على الآخر في المعادلة الداخلية؟ وقبل هذا وذاك، إلى أيّ مدى يخدم أمننا الوطني ومشروعنا الإصلاحي الداخلي أن نضبطه على وقع الأحداث الإقليمية، لا الاستحقاقات الداخلية الملحّة؟
قبل أن يطير أحد الأطراف فرحاً بما يحدث، ليقول: انتصرنا! أرجو ألا تكون هذه هي النتيجة التي يستخلصها سياسيون أردنيون؛ فهي لا تتجاوز سطح المشهد السياسي، لكنّها تبدو خلاصة كارثية إذا غصنا قليلاً إلى عمق ما يحدث في المنطقة، وفي كل من مصر وسورية تحديداً!
فهل يمكن القول إنّ بشار الأسد، الذي خسر دولته وأصبح بقاؤه مرتهناً بصفقة دولية، انتصر فعلاً على المعارضة؟!.. وهل الجيش المصري الذي تورّط في الأزمة الداخلية، انتصر بعدما شاهدناه من دماء وجثث وإرهاصات لفوضى سياسية وأمنية هناك؟! الحقيقة المرّة أنّه لا أحد انتصر أو غلب الآخر؛ الكل خسر من هذا المشهد، حكاماً ومعارضة، وإسلاميين وعلمانيين، والخاسر الأكبر هو الشعب الذي دفع ثمناً باهظاً لهذه الدوّامّات السياسية!
صحيح أنّ مسار الربيع الديمقراطي العربي لم يمرّ سلساً تلقائياً ناعماً، كما كنّا جميعاً نتمنّى؛ وصحيح أيضاً أنّ الأغلبية من قوى سياسية علمانية وإسلامية أساءت التعامل مع المرحلة الانتقالية وتضاريسها السياسية وطبيعتها الاستثنائية؛ وصحيح، ثالثاً، أنّ المنطق الذي ساد لدى أغلب الأطراف هو المغالبة والاستقواء، لا التوافق والحوار والتعددية الحقيقية؛ لكن بالرغم من ذلك فإنّ هذا لا يعني أنّ حقبة الربيع العربي انتهت وفشلت، بل هي البداية فقط لدورة تاريخية جديدة في المنطقة، بعد أن وصلت البنى السياسية القائمة فعلاً إلى مرحلة من الاهتراء والتكلّس والعجز عن ابتكار الحلول، واجتراح مسارات جديدة لمواجهة استحقاقات الأزمات الاقتصادية وأزمة الشرعية السياسية.
ما يحدث في دول الجوار، كما تخبرنا كتب التاريخ وأدبيات البناء الديمقراطي، ليست خطوات محسوبة ومدروسة بقدر ما هي صيرورة تاريخية، وعملية طويلة تمر بمراحل قاسية، لكنها طبيعية؛ مرّت فيها أغلب الثورات (كما تجادل بصورة رائعة الدكتورة شيري بيرمان في مقالتها "الوعد المقيم للربيع العربي"، في مجلة "الشؤون الخارجية"، والتي ترجمها الزميل علاء الدين أبو زينة ونُشرت في "الغد" أمس). وهي تخلص إلى القول إنّ "التخلص من ربقة الاستبداد هو عملية طويلة ومراوغة، لكن هذه العملية بدأت في الشرق الأوسط أخيراً، على الأقل".

[email protected]