ليس خطف ثلاثة مستوطنين فقط!

لم تعلن أي جهة بعد مسؤوليتها عن اختطاف ثلاثة مستوطنين إسرائيليين قرب الخليل. ولعل الإعلان عن مسؤولية اختطاف (أي التأكيد أن الأمر اختطاف)، وبدء التفاوض على تبادل أسرى، لا يقل تعقيدا عن عملية اختطاف من هذا النوع. ولا يُتخيل حدوث مفاوضات حقاً من طرف داخل الضفة الغربية، ومن دون وساطة دولية.   اضافة اعلان
العملية، خصوصاً عندما تتأكد، ستقلب معادلات ليست بالقليلة.
يتكرر في أحاديث الناس العاديين في الأراضي المحتلة العام 1967، أنّ المستوطنين في السنوات الأخيرة باتوا لا يخشون شيئا. وبحسب تعبير سائق سيارة أجرة: "قبل عشرة أعوام، كان المستوطن إذا حصل خلل في سيارته يخشى أن يقف لتصليحها خوفاً من العرب.. الآن نحن (الفلسطينيين) نخشى التوقف خوفاً من المستوطنين". من هنا، فإن عمليّة تستهدف ثلاثة مستوطنين دفعة واحدة، من شأنها إحداث أثر نفسي ليس بالقليل. ويعلم أهالي المدن الفلسطينية أنّ الإسرائيليين بعد العام 1967 حاولوا جعل ظهورهم في الشوارع المكتظة في أراضي الاحتلال الجديد حينها، عاديا؛ فبدأوا ارتياد مقاهٍ ومطاعم عربية، قبل أن تتراكم عمليات المقاومة "وتقطع أرجلهم". ولكن رد الفعل الإسرائيلي على مثل هذا التحدي، ربما يحتاج وقتا للتبلور.
عندما تقع حادثة تهز مجتمعا أو جماعة ما، يظهر أفراد وقيادات ومسؤولون في الجماعة، أول ما يفكرون فيه هو كيف ينتهزون الفرصة لتحقيق أهداف كانوا يتطلعون إلى تحقيقها، أو كيف يستثمرون الحدث لتمرير مخطط ما. هذا ما فعله دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي في عهد جورج بوش الابن، عندما بدأ يفكر في استغلال أجواء ما بعد الهجوم على واشنطن ونيويورك، بواسطة الطائرات المدنية، العام 2001، لتبرير هجوم ضد العراق. وبدأ بذلك فور وقوع الحادث، طالبا البحث عن رابط بين العراق والضربات، ولاحقا بين العراق وتنظيم "القاعدة". وتتخوف مصادر السلطة الفلسطينية من هكذا الاحتمال. فمثلا، حذّر محمد المدني، عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح"، من إشعال الإسرائيليين مواجهة دموية على خلفية الحادث. وبقدر احتمال استغلال الموقف لتنفيذ مخططات أكبر، بقدر ما أنّ الحقيقة هي أنّ أكبر مخطط إسرائيلي هو استمرار الوضع الراهن؛ إذ تسير عملية الاستيطان والتضييق على الفلسطينيين بهدوء، خصوصاً بعد توقف المفاوضات. ولو كانت العملية وقعت زمن المفاوضات، فلربما لجأ الإسرائيليون إلى تصعيد أكبر وأسرع، بهدف وقف المفاوضات. والآن، ستُستثمر العملية لاتهام السلطة الفلسطينية و"حماس"، ويمكن دراسة استثمار أكبر، ولكن أكثر بطئا ومتصاعدة، تبدأ بالاعتقالات وقصف غزة.
هناك ثلاثة عوامل قد تقود إلى الانفجار في الشارع الفلسطيني والقضية عموماً، على خلفية هذه العملية أو بموازاتها.
الأول، الإجراءات الانتقامية الإسرائيلية. فعدا عن المواجهات التي ترافق كل عملية اعتقال واستشهاد، فإنّ اعتقال كبار القيادات في "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، يفتح الباب لقيادات ومبادرات شباب أصغر سنا، أقل اكتراثا بالحسابات السياسية والأمنية، قد يبادرون للتصعيد. وبالتالي، فإنّ تصعيدا إسرائيليا قد يكون سبب الانفجار، ورد فلسطيني كذلك، خصوصا مع تولي شباب أصغر سناً للمسؤولية. 
عامل ثانٍ موازٍ، هو استشهاد أسير من المضربين عن الطعام لأشهر، فالشارع الآن مشحون.
أما العامل الثالث، فهو شعور كثيرين، خصوصاً في قاعدة مؤيدي حركة "فتح"، أنّهم دائماً في موقف دفاعي، وأنّهم سيُحسبون الآن في خانة من يريدون التعاون لانتهاء الاختطاف (مع أنّهم ليسوا كذلك). وبالتالي، سينخرط هؤلاء الناشطون في أي مواجهات مع الإسرائيليين سريعاً. هذا مع أنّ الحادث يمكن أن يكون مناسبة لهجوم فلسطيني إعلامي على الإسرائيليين، بأن منع السيادة الفلسطينية، وانتهاك الإسرائيليين حتى للمنطقة (أ) التي يفترض أنها مسؤولية الأمن الفلسطيني، ومنع تشكل الدولة الفلسطينية، واتساع الاستيطان، ونكث الاتفاقيات بشأن الأسرى.. كلها عوامل ستؤدي إلى نتائج حتمية، هذه إحداها.
أيّ أزمة يمكن أن تستغلها أطراف لتمرير مخططات كبرى، حيث الأوضاع الدولية والمحلية متحفزة. فإسرائيليا، ربما تتم الآن دراسة كيفية استغلال الأزمة أكثر، إضافة إلى محاولة حل موضوع الاختطاف بأقل خسائر ممكنة، وربما بعدها توجيه ضربات كبرى. ولكن فلسطينيا، فإنّ الخطاب الرسمي للأطراف الدولية يمكن أن يكون أنّ هذه هي نتيجة غض النظر الدولي عن سياسات الاستيطان الإسرائيلية.