مؤامرة "داعش" وبرنارد لويس

منذ توقيع كتاب "تنظيم الدولة الإسلامية: الأزمة السُنّية والصراع على الجهادية العالمية"، قبل قرابة ثلاثة أسابيع، والذي تشاركت في تأليفه مع الزميل حسن أبو هنية، ونحن نتلقّى عشرات التعقيبات والتعليقات المهمة من الأصدقاء عبر العالم الافتراضي أو في اللقاءات الشخصية.اضافة اعلان
خلال الأسبوع الماضي، شاركنا في لقاءين مهمين لمناقشة الكتاب؛ الأول، في منتدى السلط الثقافي. والثاني، في صالون الدكتور أمين محمود، وزير التعليم العالي السابق، وبحضور نخبة معتبرة ومهمة من الأكاديميين والمثقفين والسياسيين. ونحن على مواعيد قريبة لمناقشة الكتاب في كل من "مركز الأمة"، ومع مبادرة "انكتاب" الشبابية في مكتبة عبدالحميد شومان خلال الشهر الحالي، فيما تجري ترتيبات لتلبية دعوات في محافظات أخرى من أجل مناقشة الكتاب وتوزيعه.
مثل هذا الاهتمام الكبير بهذا الكتاب، ومثله الكتاب السابق "أنا سلفي"، يخلق لدينا فرحة غامرة بوجود احترام وتقدير للجهود البحثية والعلمية في أوساطنا الشبابية والعلمية والثقافية. وما نتلقّاه من ملاحظات نقدية، هي بمثابة إضافة نوعية للكتاب، وتعزيز للنقاشات التي يمكن أن يثيرها. وهو اهتمام يعكس، في الوقت نفسه، زيادة اهتمام الرأي العام والوسط النخبوي بموضوعات الإسلام السياسي والتطرف والحركات السلفية، وغيرها من قضايا لم تعد موضوعات مرتبطة بنخبة معينة أو تيار محدد، بقدر ما أصبحت شأناً عاماً.
أبرز ما لفت انتباهنا في النقاشات الجارية عن الكتاب وموضوعه، أنّ فكرة المؤامرة ما تزال تهيمن على النخب السياسية، فضلاً عن شريحة اجتماعية واسعة؛ أي إنّهم يعتقدون بأنّ التنظيم هو نتاج مؤامرة أميركية- صهيونية، فيما ما يزال أصدقاء، حتى من النخب السياسية العراقية والسورية، يعتقدون أنّه مؤامرة إيرانية- أسدية. أمّا الإيرانيون والسوريون الموالون للنظام فيعتقدون أنّه مؤامرة سعودية- قطرية.
إذن، المفارقة أنّ الجميع يدور حول "نظرية المؤامرة". وربما في جلستنا عند الدكتور أمين محمود كان الأمر لافتاً أكثر، بخاصة عندما تحدث أساتذة أكاديميون كبار، تحديداً عن أطروحات برنارد لويس السابقة، التي تحدّث فيها عن ضرورة تقسيم العالم العربي-الإسلامي على أساس طائفي خدمة لإسرائيل، وذكروا نصوصاً دقيقة مهمة من كتب الرجل حول مستقبل المنطقة وإعادة ترسيم الخريطة، وهو الأمر الذي يحدث حالياً. وفاجأنا العالم السياسي الأردني الكبير، د. وليد عبدالحي، بالإشارة إلى بعض النصوص المهمة لمراكز تفكير أميركية وإسرائيلية تتحدث منذ قرابة عقدين عن حروب استنزاف وتقسيم عربية ذاتية!
على أيِّ حال، بدت هذه الأفكار وكأنّها تدور في الفلك المعاكس تماماً لمشروع الكتاب، الذي بدأنا مقدمته بالتأكيد على أنّ تنظيم "داعش" هو نتاج الظروف الموضوعية والشروط الواقعية، سواء عبر الأزمة السُنيّة الخطيرة في المنطقة العربية، أو عبر أزمة "الدولة الوطنية" وفشلها واستبدادها وفسادها.
كان ثمّة توافق، في نهاية النقاشات، بين أغلبية الحضور، على أنّ هناك أجندات دولية وإقليمية متضاربة، بعضها يوظّف "داعش"؛ وأن هناك "نوايا سيئة" تجاه المنطقة والشعوب العربية. كل ذلك صحيح، وقد يدخل في صلب نظرية المؤامرة. لكنّ الأخطر من ذلك هو أنّ "سوس الخل منه وفيه"، وأننا وفّرنا الشروط الملائمة والمناسبة للفوضى ولتنفيذ تلك الأجندات والمخططات؛ وأنّ الفساد والاستبداد، ونقص الديمقراطية وغياب العدالة، والثورة المضادة، وغياب الإصلاح السياسي أولاً والديني والتنويري ثانياً، كل ذلك هو الذي يشكّل قابليتنا لـ"الدعشنة"، ولتنفيذ رؤى برنارد لويس. ورحم الله مالك بن نبي الذي صك أحد أهم مفاتيح فهم الواقع العربي المتردي وهو "القابلية للاستعمار"، وقبله الإمام محمد عبده الذي تحدّث عن "السنن الكونية" للتقدم والانهيار.