مؤتمر دولي للاجئين

الحروب التي تنتشر في ارجاء مختلفة من العالم، في زمن كان يسود بشأنه الاعتقاد ويكبر الامل بأنه سيكون زمناً خالياً من كل اشكال الصراعات، هذه الحروب تدفع بملايين الناس خارج اوطانهم طلباً للنجاة او الامان. وحتى المؤسسات الدولية المعنية بقضايا اللاجئين لا تملك الارقام الصحيحة لهجرات الناس، لكن الحديث يدور غالباً عن الملايين وليس الآلاف.

اضافة اعلان

في جنيف، حيث عقد مؤتمر للتداول بشأن من هجرتهم حرب العراق التي دخلت عامها الخامس، لم تُطرح ارقام مؤكدة او محددة، بل قيل إن اكثر من مليونين من اهل العراق قطعوا حدود بلدهم باتجاه الدول المجاورة، وان مليونين مثلهم قد هُجّروا داخلياً؛ اي انهم ارغموا على مغادرة قراهم ومدنهم ومنازلهم في العراق طلباً للنجاة في اماكن اخرى داخل البلد.

وبالتأكيد، قد لا تكون هذه الارقام دقيقة؛ فمنذ عدة اشهر ونحن نسمع بوجود مليون عراقي في الاردن، ومثلهم أو أكثر في سورية، لكن دقة الارقام ليست المعضلة، إنما تتمثل المعضلة في التساؤل حول مستقبل هؤلاء المجبرين على مغادرة اوطانهم؛ ما هو مستقبلهم؟ وكم سيبقون في المهجر؟ ومن سيرعى شؤونهم ويوفر لهم ابسط حاجاتهم؟ وهل باستطاعة الأمم المتحدة ان تشمل بامكاناتها الشحيحة كل هذه الاعداد المتزايدة من المهجرين؟

على مدى العقود المتتالية، شهد العالم هجرات كبيرة بسبب الحروب في افغانستان والصومال والسودان ولبنان ودول البلقان، كما شهد العالم هجرات فردية بعد انهيار المعسكر الشيوعي من روسيا والجمهوريات والدول التي كانت مطوقة داخل الستار الحديدي واوروبا الشرقية، نحو اوروبا الغربية والولايات المتحدة وغيرهما، بالاضافة إلى الهجرة المبرمجة إلى اسرائيل، شملت يهوداً وغير يهود ممن اغتنموا الفرصة لركوب موجة التسهيلات المتاحة للذهاب لاسرائيل اولاً، ثم التوجه في وقت لاحق الى موقع مرغوب آخر. وهاجر الناس طلباً للحياة الأفضل، وفرص العمل الاوفر من شمال افريقيا العربي الى اوروبا، كما هاجروا من كل انحاء افريقيا والشرق الاوسط وآسيا لذات الاسباب.

وهنالك فرق كبير بين الهجرة التي يكون دافعها طلب العلم والمعرفة والبحث عن الفرص الأفضل، وبين هجرات الحروب البغيضة التي تمزق المجتمعات، وتنتهك حقوق الناس وتعرضهم للمهانة والذل والاذى، والتعرض لأقسى الظروف وابشعها.

لقد رحب الاردن باشقائنا من العراق وفتح لهم الباب على مصراعيه، لأن لهم حقوق الاهل قبل ان يكون لهم حق الحماية والرعاية والضيافة في ظروف قاسية، فرضت عليهم الهجرة والتشرد. وللأردن سجل مشرف معروف في هذا المجال، إذ استقبل اهل فلسطين عندما تعرضوا للتطهير العرقي خلال العامين 1947 و1948، واستقبلهم ثانية العام 1967، وظل العمق الاستراتيجي لكفاح الفلسطينيين من اجل بقائهم وحقوقهم ومصيرهم منذ بدايات القرن الماضي وحتى الآن. وأَمّ الاردن على مدى العقود كل من نشد الامان من شتى ارجاء الوطن العربي بلا استثناء.

عندما ارغم الفلسطينيون، في اسوأ عملية تهجير قرى وتطهير عرقي مبرمج، على مغادرة بلادهم في العامين 1947 و1948، فهجر منهم ما يقارب ثمانمائة ألف مواطن الى الاردن وسورية ولبنان والعراق ومواقع اخرى من العالم (بالاضافة إلى من وجد المأوى في ما تبقى من فلسطين ذلك الوقت)، عندما هجر هؤلاء وتعرضوا للرعب والمجازر الترهيبية ظنوا انها مسألة ايام او اسابيع، وفي اسوأ الحالات مسألة اشهر، وأن العدالة الدولية ستتدخل وتعيدهم إلى بيوتهم وحقوقهم وتاريخهم وجذورهم، لكن ها نحن الآن نعد ستين عاما بكاملها، ويصبح الثمانمائة ألف فلسطيني اكثر ممن خمسة ملايين، والمشكلة على حالها! لم يمت الكبار ولم ينس الصغار، كما توهم قادرة الصهاينة في بداية تطبيق المشروع الصهيوني في فلسطين، وما تزال المشكلة على حالها ومكانها، ولم يتغير شيء، ولم يود مرور الزمن الى زوال الحقوق ولن تزول.

لكن الوضع في فلسطين يختلف عنه في اي من البلدان الأخرى الكثيرة التي أصبحت مسارح للحروب والعنف والارهاب والفوضى، مثل العراق وافغانستان والصومال؛ ففي فلسطين كان المطلوب تطهيرا عرقيا ابدياً حتى تخلى فلسطين من اهلها الاصليين، ليحل مكانهم اليهود في "وطنهم القومي" الذي اقرته بريطانيا بموجب وعد بلفور العام 1917، واقرته الجمعية العامة للامم المتحدة في قرار التقسيم العام 1947.

وبالرغم من الاختلاف الاساسي بين وضع فلسطين ووضع الآخرين، إلا أن الوضع في العراق مثلاً، والذي ظن الناس انه لن يتعدى اسابيع او اشهر، بدأ يعد السنوات. فالحرب الاخيرة في العراق، والتي تحولت الى شتى اصناف الصراعات، وزرعت أبشع انواع العنف والارهاب والموت، هذه الحرب تدخل عامها الخامس، ولا نعرف كم سيبقى الوضع في العراق على حاله، وكم على الذين غادروا وطنهم ان يتوقعوا سنين بقائهم في المهجر.

اخذ الحديث حول هذه المواضيع، وما قد ترسبه من ازمات، يروج في الاوساط المعنية والمسؤولة، من العراقيين وغيرهم. والاسئلة كثيرة ومشروعة وصحيحة وملحة، لكن الاجابات غير متوفرة على الاطلاق. ولا يستطيع الاردن ان يستوعب ما يزيد على ربع سكانه (عراقيون وغيرهم) لمدة غير محدودة، فموارده لا تكفي. كما لا يستطيع ان يغلق الباب امام الاهل المدفوعين للهجرة بدوافع مشروعة، انسانياً وواقعياً واخلاقياً، وحتى من وجهة نظر القانون الدولي الذي يمنح كل من نشد النجاة من خطر محقق على حياته حق الحماية. لكن المشكلة ليست عراقية فقط ولا اردنية، بل هي ظاهرة تزداد انتشاراً في العالم، ولا بد من جهد دولي لمعالجتها، فما هو الحل؟

سمعت الامير الحسن يردد اكثر من مرة، وبألم واضح، انه لا يجوز ترك الامور تتفاقم على هذا المنوال، ولا يجوز ان تصبح حياة الناس -افراداً ومجتمعات وأسرا- عرضة للتمزق والتشرد من دون أن يلتفت أحد إلى ذلك. وسمعته يردد ضرورة عقد مؤتمر دولي لمعالجة الهجرات وانتقال السكان، القسري وغير القسري، ووضع الترتيبات اللازمة للمهجرين لتوفير الحياة الكريمة لهم ريثما تسوى امورهم، وتعود الظروف التي اوجبت هجرتهم الى وضع طبيعي.

صحيح ان هذا عمل كبير، لكن المشكلة كبيرة ايضاً، فلم لا؟

سفير الأردن السابق لدى الأمم المتحدة