مؤتمر في موسكو يشيد برسالة عمّان

أشاد مؤتمر نظمه صندوق دعم الثقافة والعلوم والتربية الإسلامية الروسي تحت عنوان "الإسلام سينتصر على الإرهاب" في موسكو الأسبوع الفائت، "برسالة عمّان التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية المؤكدة على نشر ثقافة التسامح والحوار بين الحضارات ودعم التعايش الآمن بين الناس وبيان الصورة الحقيقية للإسلام".

اضافة اعلان

وقد شاركت في هذا المؤتمر، وهو الأول من نوعه الذي ينظمه صندوق دعم الثقافة، وفود تمثل الهيئات والمؤسسات الإسلامية والثقافية في مختلف أنحاء العالم، بالإضافة لعدد من الأكاديميين والمعنيين بالشؤون الدينية والحوارية من روسيا والجمهوريات الإسلامية ضمن الاتحاد الروسي، أو خارج ذلك الإطار. ومن الأردن شارك وزير الأوقاف الأستاذ عبدالفتاح صلاح بالإضافة لمدير المعهد الدبلوماسي الأردني وكاتب هذه الأسطر، ولعب رئيس الوفد الأردني دوراً بارزاً ومحورياً في أعمال ومناقشات المؤتمر.

أنشىء صندوق دعم الثقافة والعلوم والتربية الإسلامية قبل فترة قصيرة، وبدأ بموازنة تقارب الأربعة عشر مليون دولار خصصت لدعم المؤسسات الدينية الإسلامية في روسيا، ولدعم الأئمة والمساجد والبعثات الدراسية التعليمية المتخصصة في العلوم الإسلامية. وقد قدّم مندوب الحكومة الروسية لدى الصندوق تقريراً عن أعمال الصندوق وأهدافه، وذكر أن القصد من المؤتمر لم يكن للإعلان عن إنشاء الصندوق بل للإعلان عن الأعمال الفعلية وعن الإنجازات التي قدمها الصندوق حتى الآن، والتي ينوي الاستمرار في أدائها. وذكر أن الموازنة الأولى جاءت من الحكومة الروسية بالرغم من أن الصندوق هو هيئة خيرية غير ربحية وغير رسمية طبعاً، وأنه تلقى بالإضافة للمنحة الروسية تبرعات من دول عربية.

كان من الواضح أن للحكومة الروسية اهتماما بهذا الحدث. فقد أعدّ للمؤتمر إعداداً جيداً وافتتحه السياسي الروسي المعروف والرئيس الفخري لمجلس صندوق دعم الثقافة ورئيس الغرفة التجارية لروسيا الاتحادية يفغيني بريماكوف؛ مؤكداً في كلمته أن لا صلة للإسلام بالعنف أو الإرهاب كما يدّعي البعض، ومؤكداً أيضاً أنه لا مجال للتغلب على ظاهرة الإرهاب بغير التعاون مع الإسلام والمسلمين.

ومن بين المبادئ التي تضمنها البيان الختامي للمؤتمر:

1- التأكيد على حرمة حياة الإنسان وكرامته وممتلكاته، وأن الاعتداء عليها أو انتهاكها إثم ديني عظيم، وجريمة إنسانية بشعة.

2- إن العدل والسلام والمودة هي أصل العلاقات بين الناس أفراداً ومجتمعاتٍ، وأن الحرب في الإسلام حالة تمليها فقط حالات العدوان والبغي والظلم وتزول بزوالها.

3- إن الإسلام دين الحياة، ويدعو إلى السلم والتنمية وسلامة البيئة والتعايش.

4- إن الإسلام يرفض رفضاً قاطعاً ثقافة صراع الحضارات ومقولة نهاية التاريخ، واتباع منهجية عسكرة العلاقات الدولية، ويدعو في مقابل ذلك إلى التكامل والتنافس الإيجابي بين الثقافات والحضارات من أجل تحقيق الخير للبشرية كلها، والتعايش الآمن والاحترام المتبادل بين المجتمعات.

5- الإدانة والشجب بأعلى الدرجات للجهات التي تشجع الإرهاب أو تموله، أو تستغل الأوضاع الناتجة عنه لتحقيق مصالحها وأهدافها السياسية والاقتصادية والثقافية الخاصة.

6- تثمين جميع المواقف الحكيمة والجهود المباركة التي تبذلها القيادات السياسية والدينية والثقافية لمواجهة ظاهرة الإرهاب، وتأكيد ثقافة الحوار والسلام بين المجتمعات على المستوى العربي والإسلامي والعالمي.

وناشد المؤتمرون الدول الغربية وحكوماتها القيام بمبادرات جيدة لكسب الثقة وتحقيق المواطنة والمساواة بين أطراف مجتمعاتها وعرقياتها المتنوعة ومنها الأقليات الإسلامية؛ لأن ذلك من وسائل مكافحة الإرهاب والتطرف.

وخلال مداولات المشاركين التي تواصلت على مدى يومين وسادتها أجواء ودّية وبناءة، تساءل البعض عن مدلول العنوان: "الإسلام سيهزم الإرهاب"؛ مؤكدين أن مواجهة الإرهاب الذي وصفوه بأنه "آفة العصر" وأنه "وباء بشري متوحش" وأنه "وحش ثقافي يهجم علينا في كل مجتمعاتنا" يجب أن تكون مسؤولية دولية شاملة وليست مسؤولية الإسلام وحده.

ولاحظ آخرون بارتياح أن تصنيف الإسلام على أنه عدو الإرهاب والقادر على هزيمته يبرئ الإسلام من أية علاقة له بهذه الظاهرة، وفي ذلك ردّ واضح على الذين يربطون بين الإسلام والعنف.

في الحقيقة يمكن استخلاص كل هذه المعاني. ولكن ثمة ما يستوجب التوضيح؛ فوضع الإسلام مقابل الإرهاب، وإن كان في معادلة العداء والمواجهة، يرفع من شأن الإرهاب لمستوى العقيدة. والإرهاب بالرغم من الأوصاف الواردة سابقاً هو أسلوب لممارسة العنف بطرق غير مقبولة وغير مشروعة، ولكنه ليس عقيدة ولا هو وباء من حيث أن له أسبابا ومسببات. صحيح أن أية أسباب وأية مسببات لا يمكن لها أن تبرر الممارسات الإرهابية، لكنه لا بد عند التصدّي للإرهاب، من أجل اقتلاعه، من تشخيص تلك الأسباب واستئصالها أيضاً.

أما التركيز على الإرهاب وكأنه شر مطلق ووباء نزل على العالم من الفراغ فمن شأنه أن يخدم غايات الذين ينكرون كل مسببات اليأس والتطرّف واللجوء بالتالي للعنف مثل الظلم والعدوان المستمر والشقاء الاجتماعي والفقر والجهل والحرمان وغياب حكم القانون الدولي وتطبيق المعايير المزدوجة.

إن عزل الإرهاب عن مسبباته هو المنزلق الذي يسهّل عمل الذين يدّعون أن العنف هو من طبيعة العرب والمسلمين وأن لا علاقة له بالمآسي المستمرة في فلسطين وغيرها من المواقع المتأزمة في بلادنا لعقودٍ متتالية.

لقد طالب متحدثون كثر بتعريف الإرهاب وتحديده حتى لا يظل الكلام عنه عامّاً، وحتى لا يظل الغموض وسيلة من شاء ليطبّق كل ما أوصى به المؤتمر على ما يعتبره هو الإرهاب وعلى من يعتبرهم هم الإرهابيون بحسب رؤيته وبحسب سياساته، وكلنا يعلم ما الذي يعنيه ذلك.

لروسيا اهتمام واضح بموضوع الإسلام كونها تحتوي بين مواطنيها على ما يقارب العشرين مليون مسلم.

وقد اكتوت روسيا بنار الإرهاب أكثر من مرّة. ومن البديهي أنها تخشى كغيرها من تنامي ظاهرة التطرف ومن استخدام الدين وسيلة لتبرير العنف. فهي لذلك تسعى لنشر روح التوعية بالإسلام الحقيقي المعتدل وبتأكيد قيمه الداعية للسلام والتسامح والمحبة والعدالة.

بمثل هذا النهج، وبنشر التعليم والوعي في شتى دور العلم والمؤسسات الملائمة من جهة، وبتحقيق العدالة الدولية ومحاربة عوامل اليأس والتطرّف وحل جميع النزاعات السياسية المزمنة من جهة أخرى، تأمل روسيا أن تحصّن الناس ضد التضليل والتحريض لغايات العنف والتحيز والكراهية. وذلك جهد يستحق الدعم كونه الطريق الأسلم للغاية الأنبل، لكل من شاء أن يسلك هذا الطريق.