مؤشرات على وعي سياسي جديد

خلال الأسبوع الماضي، وفي برنامج "نقطة حوار" الذي تنتجه، مرئيا ومسموعا، الخدمة العربية للبي بي سي وتتاح المشاركة به للمشاهدين والمستمعين العرب ومتصفحي الموقع الإلكتروني للخدمة العربية بوسائل مختلفة، طُلب من المشاركين الإدلاء بآرائهم حول السؤالين التاليين: أيهما الأكثر تأثيرا على حكومة بلدك: الضغوط الخارجية أم الداخلية؟ وهل تتعارض الضغوط الخارجية لإصلاح أمر داخل دولة ما مع مبدأ سيادة الدولة على أراضيها؟ وربط الأمر بحادثة وفاة الشاب خالد سعيد والأنشطة الاحتجاجية التي نظمتهما قوى المجتمع المدني ونشطاء حقوق الإنسان في مصر وبيانات التنديد الأميركية والأوروبية، ثم قبول السلطات إعادة التحقيق في ملابسات الوفاة وحجز عنصرين من عناصر الشرطة في مدينة الإسكندرية وما تلاه من نقاش عام حول ما إذا كان ذلك يعبر عن استجابة لضغوط الداخل أم رضوخ للضغوط الخارجية.

اضافة اعلان

ذهبت أغلبية واضحة من المشاركين العرب في "نقطة حوار" على الموقع الإلكتروني إلى أولوية الضغوط الخارجية على الداخلية لجهة دفع أنظمة الحكم العربية، ومن بينها النظام المصري، إلى الحد من انتهاكاتها لحقوق الإنسان واحترام الحريات المدنية لمواطنيها، وربط هؤلاء بين فاعلية الخارج (الغرب) وتبعية وضعف الحكام العرب الذين لا يستأسدون إلا على شعوبهم.

في المقابل، وهو الأمر اللافت للنظر هنا والدافع وراء عودتي مجددا إلى حادثة وفاة خالد سعيد وتداعياتها، عبر عدد لا بأس به من المشاركين المصريين على الموقع الإلكتروني، وكذلك من شملتهم اللقاءات التليفزيونية والهاتفية التي أجراها معهم فريق البرنامج، عن قناعتهم بأن ضغوط الداخل كانت أكثر فاعلية من البيانات الخارجية في إجبار السلطات على قبول إعادة التحقيق والتوجه نحو معاقبة عنصري الشرطة المتورطين في تعذيب سعيد، وشددوا أيضا على أن بيانات الخارج وعلى أهميتها جاءت لاحقة لضغوط الداخل ومترتبة عليها.

وفي هذا، وبجانب نضج وواقعية قراءة هذا الفريق من المشاركين لحادثة سعيد، دليل تطور بالغ الإيجابية لنظرة قطاع من المواطنين المهتمين بالشأن العام في مصر لدور منظمات المجتمع المدني وشبكات النشطاء وللأهمية المتنامية للضغوط التي يمارسونها على السلطات ونظام الحكم للحد من ممارسات التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان.

رأى، على سبيل المثال، أسامة (من مصر وختم مداخلته بعبارة كرهت الصمت فشقيت)، أن "الضغوط الخارجية مجرد صخب إعلامي وتلويح بفضائح مجلجلة لحكومات تبلدت لا تخشى صناديق الانتخابات وإن اعترفت بها. الضغوط الداخلية هي الفاعلة فما حك جلدك مثل ظفرك. الضغوط الخارجية لا تتعارض مع سيادة الدولة وإنما نوع من التعالي وادعاء الحكمة. ما حدث في مصر قرار صائب اتخذته الدولة نتيجة الضغوط الشعبية غير المسبوقة". بينما كتب محمد حسين عبد الناصر (مصر): "نعم هناك ضغوط خارجية ولكنها من أجل دعم هذه الأنظمة الاستبدادية والقمعية، لأنها ترى ذلك امتدادا لحماية مصالحها. ولكن أين تلك الضغوط الجادة من أجل دعم الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان؟ أين دعم الشعوب في مقاومتها لتلك الأنظمة الشمولية؟ لولا جهود بعض المنظمات الحقوقية المستقلة التي تمارس بعض التأثير على حكوماتها (لما حدث تقدم). إن النفاق وازدواجية التعامل الذي تمارسه الدول الغربية بالدعم العملي والمبطن لتلك الأنظمة والدعم العلني بالأقوال الزائفة للشعوب لهو أمر مشين يثير الاشمئزاز". مثل هذه القراءة الإيجابية والواثقة بين قطاع من المصريين لفعل قوى المجتمع المدني ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان وشبكات النشطاء جديدة، وتستحق الالتفات والتشجيع. فلأعوام قليلة خلت كانت القراءة السلبية والمتهمة لمثل هذه المنظمات بالعمالة للخارج أو بالتربح من المتاجرة بانتهاكات حقوق الإنسان هي السائدة وروجت لها السلطات من خلال أبواق الإعلام الرسمي.

اليوم، وكما تدلل حادثة وفاة خالد سعيد وتداعياتها، نحن أمام تحول نوعي في الرأي العام وفرصة ذهبية للمجتمع المدني وشبكات النشطاء المعنية بقضايا التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان لدحض اتهامهم بالعمالة للخارج وإظهار فاعلية الضغوط الداخلية ونجاعتها.

[email protected]