مائة عام على الدستور العثماني

يعود البحث اليوم عن سؤال الإصلاح في المجال العربي الإسلامي وذلك بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لإعلان الدستور العثماني في عهد السلطان عبدالحميد، وبهذه المناسبة اجتمع نحو مائة باحث من البلاد العربية والإسلامية في اسطنبول بدعوة من مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية(إرسيكا) في اسطنبول لدراسة التجربة الدستورية، وهذه العودة التي اجتمع من اجلها عدد كبير من الباحثين العرب والأتراك ومن مختلف الدول الإسلامية لا تسعى فيما يبدو إلى تحديد أو رسم إطار جديد للعلاقات العربية التركية في مرحلة كانت تولد فيها النزعات القومية والكيانية ويتصاعد فيها جدل الإصلاح والتغيير، بقدر ما تبحث في قراءة اثر الحركة الدستورية والاتجاه نحو الدمقرطة والموقف من التغريب لدى النخب السياسية والفكرية.

اضافة اعلان

لا يبحث الأتراك وغيرهم في الذكرى المئوية لإعلان المشروطية الثانية فيما يبدو عن تحقيق أو عادة قراءة أو تقييم للحقبة الحميدية –عهد السلطان عبدالحميد- بقدر ما يرون أن المرحلة الزمنية التي أعلنت فيها المشروطية الثانية كانت مفصلية وهامة في المكون التاريخي الحديث، فهي اللحظة التي بدأ فيها سؤال التغريب يتحقق، كما أن النزعة نحو الدمقرطة كانت تتصاعد بشكل المطالبة بمجالس المشورة وهي أيضا برأيهم الحقبة التي صعدت فيها أفكار العرب الإصلاحية وبدأت فيها ملامح الوعي بهوية عربية وكيان مستقل وبخاصة بعد ظهور جمعية العربية الفتاة، كما أن إعلان العودة للعمل بالدستور العثماني من جديد عام 1908 ترك آثارة في فكر رموز الإصلاح الإسلامي سواء في المغرب أو المشرق العربيين.

  السؤال اليوم، وفي ظل الاحتفال بالمئوية الأولى للانقلاب التركي 1908 والذي انتهى بإعادة العمل بدستور عام 1876 هو كيف تطورت حركة الإصلاح في داخل البيئة التركية وكيف عبرت عن حالها، وهل افترقت في صورتها عن الجارين العربي والإيراني؟

بداية جاء الانقلاب التركي على العهد الحميدي الذي تميز بكثافة الصراعات الاجتماعية والنزعات الاستقلالية، والحقبة الحميدية جاءت بقوة وبطش سياسي يرى الدارسون أنه نتيجة لرد الفعل المزدوج ضد إضعاف سلطة السلطان في حقبة التنظيمات، وضد النغمة الليبرالية والنزعة الدستورية لمدحت باشا، وكان السلطان عبدالحميد يرى ان تلك الحقبة تقود البلاد للهاوية، لا بل كان يرى ان الشعب العثماني ليس ناضجا بعد لمحاولة خوض تجربة برلمانية جديدة.

بعد رحلة طويلة من النضال من اجل العودة للدستور أثمرت ضغوط الدستوريين الأتراك على السلطان عبد الحميد بإعادة العمل بالدستور المعطل – دستور 1867 والذي عطل سنة 1878 بسبب الحرب الروسية العثمانية- وكان الدعاة الأتراك المطالبون بالدستور اتصلوا بمراجع النجف العلمية في إيران التي كانت تشهد آنذاك تجربة المشروطية أيضا في عهد الشاه محمد علي شاه إيران، ويبدو أن المجال الإسلامي كان جاهزا آنذاك ويتسع للجدل فحقق الدستوريون مطالبهم برغم القبضة الاستبدادية في كل من إيران والدولة العثمانية.

الطريف في مسألة المشروطية هو تعاطف مثقفي إيران مع المطالب الإصلاحية التركية في عام 1908 فنتيجة لضغوط المراجع الشيعية وعلماء السنة تدخل شيخ الإسلام حاثاً السلطان عبد الحميد على ضرورة تحقيق مطالب الدستوريين. وبهذا نجحت الحركة الدستورية مرة أخرى وأعلن الدستور في يوم 23 تموز 1908 والتأم مجلس المبعوثان من جديد رغماً عن إرادة السلطان عبد الحميد الذي لم يطل به البقاء أمام قوة الدستوريين الذين صدّروا فتوى بخلعه وقعها شيخ الإسلام، وشكل وفدا لتبليغ عبد الحميد الثاني بها، وتنصيب السلطان محمد رشاد مكانه. وحدث أن ذهب الوفد لتبيلغ السلطان المخلوع بقرار الخلع، وعندما وصل الوفد وجدوه في إحدى الصالونات مرتديا حلة سوداء. فقالوا له:" الأمة خلعتك"، وسأل عن حياته فأجابوه بالأمان، فاختار أن يقضيها في قصر جراغان، إلا انه انتهى في قصر بسيط في قرية قريبة من سلانيك.

في الحديث عن التجربة الدستورية التي بدأت عام  1908 ثمة ذاكرة عربية طويلة وتجربة هامة شارك العرب فيها حيث انتخب لمجلس المبعوثان أربعون عضوا عربيا منهم أردنيون وسوريون وفلسطينيون وعراقيون ولبنانيون وحجازيون وغيرهم، وهذه التجربة جديرة بالدراسة كونها أسهمت في تكوين الوعي وتحديد المطالب العربية ومن ثم التفكير في مستوى العلاقة والارتباط مع الدولة العثمانية. ولكن برغم دخولنا سويا مع الأتراك الحقبة الدستورية وبرغم تشابه الوعي بين دعوة جمعية العربية الفتاة وجمعية تركيا الفتاة وبرغم الكثير من عوامل التشابه في تطور الوعي السياسي فإن الأتراك قطعوا شوطا كبيرا حققوا نجاحا على عكس الإخفاق في الحالة العربية.

[email protected]