ماذا تبقى للفلسطينيين؟!

هناك رأيان فيما يتعلق بالقمة الثلاثية وحكومة الوحدة الوطنية. الأول يرى أن اتفاق مكة وإن نجح في وقف الاقتتال الداخلي فهو لم يساعد على تأهيل الحكومة الجديدة لرفع الحصار عن الفلسطينيين، ولم يجب على شروط اللجنة الرباعية (شروط إسرائيلية). ويستنتج مؤيدو هذا الاتجاه أن اتفاق مكة غير مفيد عمليا لأنه جاء استجابة لمتطلبات فلسطينية داخلية من دون الأخذ بعين الاعتبار موقف اللاعبين الرئيسيين الذين يمتلكون قرار السلم والحرب في الاقليم.

اضافة اعلان

الاتجاه الآخر يرى أن اتفاق مكة هو انتصار فلسطيني ليس فقط لأنه مكّن الفلسطينيين من حقن الدماء، بل لأنه يعبر عن رد حقيقي للغطرسة الاميركية والاسرائيلية التي سعت الى تغذية النزاع الفلسطيني الداخلي لدفع الفلسطينيين إلى حرب اهلية تستمر لردح من الزمن مما يعفي الإدارة الأميركية واولمرت الضعيف من الاجابة لمتطلبات ودعوات السلام.

بهذا المعنى لماذا على الفلسطينيين حسم الامور داخليا مقابل وعود كاذبة، مجربة وغير مفيدة؟ أنصار الاتجاه الثاني يعتقدون أن القمة الثلاثية ما هي الا محاولة من اميركا واسرائيل لتقوية عباس في صراعه مع حماس. وبالتالي فالحديث عن أفق سياسي كان ألعوبة من أجل تغيير الاصطفافات الفلسطينية الداخلية باتجاه الحسم الدموي باعتبار أن هناك دولة (جائزة) تقدم على طبق من فضة.

وفي هذا التحليل الكثير من المنطق لكن ليس المنطق كله! فالاستنتاج بأن الحكومة الاسرائيلية غير قادرة او راغبة في محادثات سلام حقيقية وأنّ رايس لم يعد في جعبتها الكثير هو صحيح مائة بالمائة. لكن لماذا علينا أن نتخذ مواقف تبدو صقرية (وإن كانت في نتيجتها حمائمية) مما يخدم الموقف الاميركي- الاسرائيلي المتنكر أصلا لعملية السلام؟! فالمدقق في اتفاق مكة يرى اعتدالا في مواقف حماس يقترب من الاستجابة لشروط الرباعية. لماذا لا نعلن عنها بصراحة؟! فقد علمنا التاريخ أنّ منظمة التحرير لم تنجح اطلاقا في التواصل مع الادارة الاميركية إلا بعد أن استجابت لشروط كيسنجر الثلاثة التي وضعها عام 1975. وبناء على ذلك، ماذا لو أصرت الولايات المتحدة على موقفها من شروط الرباعية؟ ما البديل لدى الفلسطينيين وبخاصة بعد أن تخلت حماس عن المقاومة منذ سنتين؟! ولماذا علينا الانتظار مطولا لكي تتقدم حماس بموقف مقبول دوليا لكن بعد خلق المزيد من الحقائق على الارض وبعدها سيطلب من الفلسطينيين أن يكونوا واقعيين وبراغماتيين وأن يتنازلوا عن المزيد.

لم يعد هناك متسع من الوقت اذا استمرت نفس المعادلة التاريخية (تنازلات اكثر مع مرور الوقت). وعندها يبدو من المفيد النظر الى كيفية تعظيم مكاسب الفلسطينيين، حتى لو تطلب ذلك الصبر على جراحنا واتخاذ مواقف لا تبدو شعبية. طبعا لا يمكن الطلب من الفلسطينيين ان يحسموا الامور بأي اتجاه بخاصة مع عدم وجود أي أفق للسلام، لكن من الضروري فتح باب النقاش لبدائل الفلسطينيين وخياراتهم من دون تخوين ومع الكثير من التسامح.

من السهل القول أن رايس واولمرت دمرا عملية السلام وانهما لا يريدان خيرا للفلسطينيين. ومجرد هذا القول لا يتطلب اثباتات وبخاصة في ظل وجود انحياز اميركي اعمى لاسرائيل اليمينية. وحديث رايس واولمرت عن حل الدولتين اصبح بضاعة بالية وليس لها سوق حاليا. لكن القضية الأساسية هي حول الخيارات الفلسطينية. فما هي الاستراتيجية الفلسطينية في حال تبلور سيناريو الغطرسة والتمسك بشروط الرباعية؟ هل على حماس ان تستجيب لهذه الشروط من اجل رمي الكرة في الملعبين الاسرائيلي والاميركي؟ وهل هناك فائدة من رمي الكرة بخاصة أنه من السهل على اولمرت وكل رافضي السلام العادل ايجاد أعذار أخرى للتملص من الاستحقاق التاريخي لعملية سلام حقيقية.

المطلوب الآن اجراء تقاش عام صحي وجريء لمساعدة الفلسطينيين على بلورة خياراتهم. فقد سئمنا من كثرة المقالات واللقاءات التي تتحدث عن اسباب الجمود في عملية السلام والتي تتحدث عن الطرف المذنب. نحن بحاجة الى توجيه الجهود للتحدث عن المستقبل مع استبطان كل العوامل واحتمال تغير وزنها من قضية لأخرى ومن وقت لآخر.

[email protected]