ماذا يريدون؟!

التقرير المترجم، الذي نشرته "الغد" أمس، بعنوان "شباب تونسيون متعلمون ينضمون إلى داعش" (منشور في مجلة "نيوزويك")، يقترب بدرجة أعمق من قراءة الشروط والأسباب والديناميكيات التي تدفع الشباب التونسي إلى ولوج تنظيم "داعش"، أو الإيمان بأفكاره ومواقفه الأيديولوجية.اضافة اعلان
يتحدث التقرير عن جابر الخشناوي، الذي قام بتفجير متحف باردو (في آذار (مارس) الماضي)، كإحدى حالات الدراسة؛ وعن أعداد كبيرة من الطلاب التونسيين الذين تركوا الدراسة في الجامعات، وانطلقوا إلى سورية والعراق ليقاتلوا مع هذا التنظيم.
المعلومات والمعطيات المطروحة لا تختلف كثيراً عن حالة سيف الرزقي، الذي نفّذ الهجوم الدموي الأخير في منطقة سوسة السياحية. فهو طالب ماجستير، من الطبقة الوسطى؛ أي إنّ الأمر منافٍ تماماً للصورة النمطية المتداولة في أروقة النخب العربية، وتتمثّل في أنّ أتباع هذا التنظيم والفكر هم من الفقراء وعديمي التعلّم!
بالمناسبة، سبق أن أشرنا إلى هذه الملحوظة مراراً وتكراراً، لكننا نعيدها بمناسبة الأحداث الأخيرة؛ فالتيار المؤيد لأفكار "داعش" والتيارات التي تدور في الفلك السلفي الجهادي في الأردن، تضاعف خلال الفترة الأخيرة، وتمكّن من اختراق الطبقة الوسطى والمتعلّمة الأكاديمية.
سيقول بعض المعلّقين إنّهم من خرّيجي كليات الشريعة، وذلك ليس دقيقاً تماماً، وإن كان بعضهم كذلك، فهنالك تخصصات متعددة أغلبها علمية.
في ورقته المهمة التي قدّمها في مؤتمر "سرّ الجاذبية: الدعاية الإعلامية والتجنيد لدى داعش" (الذي عقد مؤخراً في عمان مع مؤسسة "فريدريش إيبرت")، طرح الزميل وائل البتيري نماذج وأمثلة على أردنيين التحقوا بتنظيم "داعش"، معرّجاً على الأسباب والشروط والتبريرات التي يسوقونها في تسويغ اختيار هذه الطريق.
يتحدث الذين يؤمنون بهذا "النموذج" عن تحقيق الشريعة الإسلامية، وإقامة الدين في الأرض؛ وآخرون عن العدالة الاجتماعية وغياب الضرائب وإقرار الزكاة بديلاً عنها؛ وعن المساواة بين المسلمين في الدولة؛ وعن توفير الطعام للفقراء، وإقامة الخلافة وإلغاء الحدود السياسية. أي إنّ دعاية "داعش" الإعلامية خاطبت الوجدان الدفين المثالي لشريحة واسعة من هؤلاء الشباب عن الدولة الإسلامية الموعودة، التي تتحقق فيها الأدبيات الإسلامية الكلاسيكية!
آخرون وجدوا في هذا التنظيم البديل القوي الفعّال، الذي يملك الردّ على النفوذ الإيراني، ويحمل "وضوحاً عقائدياً" في الدفاع عن الهويّة السُنّية في العراق وسورية وغيرهما من مناطق، بينما التيارات الإسلامية الأخرى، وفقاً لهذه الشهادات، تراوغ وتتلاعب بهذه المفاهيم، وقد فشلت التجربة السلمية الديمقراطية في مصر مع الانقلاب العسكري على محمد مرسي.في نهاية ورقته، يسرد البتيري جملة من الأسباب الخارجية والداخلية المهمة التي يقدمها هؤلاء الداعشيون في تبرير أسباب انضمامهم إلى التنظيم.
مثل هذا الجهد البحثي المشكور، مهم وضروري لتفسير وتحليل الأسباب والشروط والديناميكيات المرتبطة بقدرة هذا التنظيم غير المسبوقة على التجنيد والدعاية الإعلامية والسياسية؛ فهو جهد يبتعد بنا عن الأحكام المعلّبة المسبقة الدارجة في أوساط النخبة في مقاربة هذا التنظيم، إما بوصفه تعبيراً عن الفقر وغياب التعليم، أو بوصفه مؤامرة غربية أو إيرانية أو أيّا كان مصدرها.
وأي مكافحة أو مواجهة مع "الداعشية"، تتطلب الاعتراف أو التعريف أولاً بالظاهرة وحجمها ومساحتها ومقوماتها، ثم فهمها وتحليلها وتفكيكها بصورة عميقة، وصولاً إلى تبني الرؤية الاستراتيجية المتكاملة في مواجهتها.
الجانب الأمني مطلوب وضروري، لكنّه لا يكفي بالتأكيد، وضمنه التشدد في تشريعات مكافحة الإرهاب. فالمطلوب اليوم مسار موازٍ على الصعيد المدني، مدروس وعميق، لبناء النموذج البديل. فما هو أخطر من تنظيم "داعش" العسكري والأمني، هو النموذج الأيديولوجي الفكري الذي ينتشر في أوساط الشباب، ويهدم حياة عشرات الآلاف من العائلات في العالم.