ما هو المقابل؟

حتى في الجزء المغلق من جلسة وزير المالية عمر ملحس مع اللجنة المالية النيابية، لم يفصح الوزير عن مصادر الـ450 مليون دينار الجديدة التي تخطط الحكومة لجنيها، رغم المعرفة العامة بأنها ستكون من جيوب المواطنين. اضافة اعلان
ثمة تفسيران، لا ثالث لهما، لتصريحات الوزير الأخيرة. الأول، أنه يتكتم مع سبق الإصرار والترصد للنواب والمجتمع؛ حتى لا يثير حفيظة أحد بإعلان تفاصيل مصادر الإيراد الجديد، وهي بالتأكيد سلع وخدمات تمس حياة الناس. أي إن الوزير آثر إبقاء التفاصيل طي الكتمان، لحين تمكن الحكومة من تمرير مخططها.
وهذا الاحتمال هو انعكاس لعقلية رسمية طالما ابتعدت عن الشفافية في اتخاذ قرارات تتعلق بحياة الناس وتمسّ مداخيلهم، مفضلة اللجوء لأسلوب المفاجأة، أو الصدمة والترويع، لتمرير مثل هذه القرارات غير الشعبية.
أما التفسير الثاني لكلام ملحس، فهو أنه فعلا لا يدري! وهذا تفسير ضعيف، لكنه يجد سنداً من قصص حصلت كثيراً في السابق، وعانينا منها؛ وتتعلق بالمبالغة في تقدير الإيرادات، بما كانت نتيجته اتساع العجز المالي والاقتراض، بحكم التوسع غير المدروس في الإنفاق. وكل ذلك يظهر جلياً في أرقام المالية العامة اليوم.
أمام هذين التفسيرين، تبرز قضية مهمة، تتعلق بأهمية إطلاع المجتمع على حقائق الأمور بعيدا عن الكلام العام المبهم، من قبيل القول إن العام المقبل صعب، وسنة 2017 قاسية. إذ لم تقل لنا الحكومة لماذا ستكون قاسية. أم أن ذلك هو فقط لتبرر لنفسها جباية 450 مليون دينار، لا أدري إن كان قد تبقى في جيوب الأردنيين أموال فائضة لتغطيتها.
ثم، وفيما حذرتنا الحكومة من صعوبة المقبل، فإنها لم تقل لنا ماذا ستقدم هي للناس مقابل هذه القرارات الصعبة؛ أي الخطوات الإصلاحية التي ستتخذها. إذ طالما لديها الشجاعة لجباية هذا القدر من المال، فهل ستمتلك المنسوب ذاته من الشجاعة لإصلاح التشوهات الهيكلية في المالية العامة؟
السؤال الأخلاقي الموجه لحكومة د. هاني الملقي: هل ستتخذ إجراءات حقيقية لضبط النفقات؟ فهل ستوقف السفر على الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال؟ وهل ستتوقف عن الإنفاق كدولة خليجية، لدرجة صارت تستفز الناس والمجتمع؟ إن كانت الإجابة بـ"نعم"، فلتخرج الحكومة إلى الناس وتحدثهم بصراحة عما هي فاعلة، كما المطلوب من الناس تحمله.
أغلب الظن أننا سنسمع تصريحات من باب الحثّ على "شد الأحزمة" وضبط النفقات، والتي طالما سمعناها من كل الحكومات، بينما ما حدث ويحدث على أرض الواقع هو أمر آخر؛ إذ لا تفي الحكومات بكل هكذا تعهدات.
والسؤال الآخر: هلّا تفسر لنا الحكومة لماذا لم تعتمد أسلوب الموازنة الموجهة بالنتائج؟ وتالياً، لأي درجة تضمن تحقق الأرقام التي تسعى إليها، فلا يقع في ما واجهته العام الحالي من تدني قيمة الإيرادات مقارنة بما هو مقدر، نتيجة تباطؤ الاقتصاد وتواضع معدلات النمو؟ إذ تتوقع الحكومة تحقيق نمو في العام المقبل تصل نسبته إلى 3.3 %. وهو هدف بعيد المنال، حتى بقراءات وتوقعات المؤسسات الدولية، لا سيما البنك وصندوق النقد الدوليين.
أيضاً، هل درست الحكومة تبعات سياسة الجباية على القطاعات الاقتصادية؟ هل بحثت التوجه مع مختلف القطاعات الاقتصادية، لاستخلاص كيف سيؤثر ذلك على وتيرة النمو؟ وأكثر وأخطر من ذلك، هل درست الحكومة تبعات مثل هذا التوجه على الطبقة الوسطى؟ وهل ثمة دراسة للمزاج الاجتماعي "المضروب" ومدى تقبله لمزيد من قرارات الجباية؟
للأسف، الإجابات عن كل الأسئلة السابقة هي بالنفي. الأمر الذي على الحكومة دراسته جيدا، بحيث لا يكون قرارها فرديا، والمسؤولية بالتالي فردية؛ وحتى تقنع من استطاعت من الرأي العام بصواب نواياها.