متقنعو الديمقراطية

في الاردن طبقة سياسية طارئة ولجت العمل العام ممتطية سرج الخطاب المزدوج والاستقواء بالخارج وادعاءات الديمقراطية. واستطاع افرادها الاعتياش من مردودات قدرتهم تكييف خطابهم ليحاكي ما يريد الحضور سماعه.

اضافة اعلان

فإذا كان الحضور اميركيا او اوروبيا من صناع القرار السياسي او اصحاب الحضور الاكاديمي او مالكي سلطة منح التمويل المادي، تحدّث تجار المواقف هؤلاء بمنطق يسوقهم ديمقراطيين إصلاحيين وضحايا الاستبداد الديكتاتوري والمحاصرة الحكومية.

اما اذا كان الحضور من اصحاب النفوذ المحلي, القادرين على منح المواقع او ضمان الحظوة, كان الخطاب "نخوجياً" مهادناً مجاملاً منافقاً ومروجاً لقدرات مزعومة وطموحات زائفة تحت ادعاء ان لا هدف لها ولا غاية الا خدمة الوطن!

لكنّ حبل الكذب قصير. واذ استطاع بعضهم تقمّص صفة الحضارية والانفتاح والديمقراطية لحين حقق خلاله مكتسبات مجتمعية او وظائفية، تكشفت الحقائق الآن في مجتمع اصغر حجماً وأكثر تواصلاً من ان يوفر مساحات اخفاء الحقيقة الى الابد.

ذلك ان الخطاب المزدوج ما عاد ممكناً. فتماماً كما فقدت الحكومات القدرة على إطلاق مواقف مختلفة بعضها للترويج الخارجي وآخر للاستهلاك المحلي جراء الانتشار غير المسبوق لوسائل الاعلام، خسر منافقو السياسة القدرة على تجميل صورتهم الحقيقية بعد أن استهلك الكذب فترة حياته الطبيعية.

لا يصح إلا الصحيح. قول أطلقه شخصٌ لا اعرفه. لكنني اجزم انه كان حكيما. وليس اقل حكمة ذلك الذي قال إنك تستطيع ان تخدع بعض الناس لبعض الوقت لكنك لا تستطيع ان تخدع كل الناس كل الوقت. غير أن الحكمة، رغم توفرها لكل من ينشدها، تغيب عن ممتهني النفاق او التزييف او المخادعة سعياً وراء أطماع شخصية صغيرة أو هيبة هشة.

فالعالم اليوم لا يمت لعالم الامس بصلة لناحية توفر ادوات التحقق من الصدقية. والإنجاز العالمي يصبح في بعض تكيفاته محلياً، حيث امتلك البلد ايضاً ادوات التحقق من الصدقية، والتمييز بين الغث والسمين، وبين مدعي العلم والعلماء، وبين متقنعي الديمقراطية لإخفاء طبائع دكتاتورية والاصلاحيين الحقيقيين.

أما المعرفة فلا تترجم دائماً مواجهةً لهؤلاء. فانعدام الضرر نتيجة ادراك المآرب والتحصن لها، او طغيان ثقافة المجاملة، يحول دون مواجهة المخادعين بخداعهم او اظهار المعرفة بطبيعتهم. والنتيجة، ان الظانَّ نفسه خادعاً يصبح مخدوعاً، حيث صورته بادية لأعين الناس التي ليست عن عيوبه كليلة، حتى لو بقيت مدارية، الى حين.