متى تنام الوحدة؟!

لم يسبق أنْ عشتُ مفرداً كالألف اليتيمة؛ فلما فقدتُ أبي، رزقتُ بأمي، وكنتُ غالباً محاطاً بالأشقاء الذين ولدتهم أمي أو لم تلدهم، والأصدقاء الذين كانوا أصدقاءً أو أصبحوا "أعدقاء"، وكان لي دائماً أقرباء طيبون يقرؤون لي الحِكَمَ القروية قليلة الفائدة، وآخرون أشرارٌ يُصرُّونَ على تذكيري بـ"محاسن الموتى"؛ لكنني زاولتُ الحياة بحبّ دائمٍ، فلم يخلُ قلبي مرة من امرأة، ومن ألم، أو من ضرورة للنبض!اضافة اعلان
لهذا ربما لم أستخدم يوماً "قدراتي الذاتية" في المواقف المتوقعة، كما أنني لم أكتشفها في الحوادث الطارئة حين أكون وحيداً، وما كنتُ وحيداً، فأمِّي تكفَّلت برعايتي كطفلٍ حتى الثالثة والثلاثين، وأبي لم يرحل إلاَّ بعد أنْ اطمأنَّ إلى نقل ملامحه إليَّ، وأنني سأنالُ نصيبه من الدنيا، وأشقائي الكبارُ والصغارُ اعتبروا مكاني المتوسِّط بينهم مبرِّراً للعناية بي باعتباري الخيط المكسور من العنقود، ولهذا أعفيتُ من تركيب "لمبة" جديدة بدلاً من التي أكونُ سبباً مباشراً في حرقها، وتبديل أسطوانة الغاز التي تفرغ لخوفي من الماء البارد، وحصلتُ على عفو خاص من إعداد مقبّلات الطعام، أو شراء مستلزماته التي يمكن أكلها في الطريق نيئةً!
لم أتعلم في المدرسة إلا القليل، فأخي الأكبر سيجيبُ عن كل ما سأجهله في الحياة، وزميلي النبيه سيتكفل بأن أحصل على ما سيحصل عليه من علامات نهائية، وفي الجامعة ستتواطأ الهيئات التدريسية المتعاقبة على منحي من الدرجات ما يكفل لي الخروج بشهادة كرتونية إلى "الحياة العامة"، وهناك سيكون بانتظاري "أبناء الحلال"، الذين يملؤون عنِّي بيانات السفر إنْ سافرتُ وحدي، ويجتهدونَ في معرفة الطريق المناسبة لوصولي السريع إلى بيتي، لذلك لم أجتهد في حفظ الطرق ودلالات إشارات المرور، فأنا على يقين أن أي طريق نائية سأسلكها لن تخلو أبداً من طالبي الجنة المتطوعين لفعل الخير في أهله!
ومشيتُ حاملاً "اللابتوب" مطفأ ليُرشدني النادل الآسيوي إلى زرِّ التشغيل، أحاولُ فتح حسابي على "فيسبوك" بدون أن أسترد الرقم السري من حبيبتي السرية السابقة، فتنجح بالمهمة امرأةٌ مستعدةٌ للحبِّ، أحاول التصفح بخصوصيَّةٍ شديدةٍ، لكنَّني أحتاجُ أخي الصغير لإصلاح خلل أفترضه في "الماوس" السليم، وأخي الأصغر لقراءة رسالةٍ غامضةٍ من "ياهو"، وصديقي الكاتم للأسرار لترجمة رسالة أظنها كثيرة الغرام، حتى أعرفَ بعد الترجمة الفورية أنها مرسلة من امرأة أفريقية مجهولة تطلب مني الإغاثة، وأعرفُ فيما بعد أنها وصلت لنصف سكان الكرة الأرضية ممَّن لديهم حسابٌ على "هوتميل"!
والآن لا أعرف شيئاً عن الحقائق العلمية الراسخة إلا المعلومات غير الموثوقة لزميلتي المتصابية، ولا أتقن من المهارات سوى فتح "علبة السردين" بعد استشارة مجانية لمرة واحدة من جاري في "الاستديو"، وأقودُ السيارة بسرعة عاقلة بدون أنْ أميز مؤشر الحرارة من مؤشر "البنزين"، لولا استعانتي بواحدة من وسائل المساعدة، والاتصال بقريبٍ متحفز دوماً للإجابة الساخرة عن أسئلتي الجادة..؛ وإلى الآن أيضا لا أعرفُ شيئاً، ويبدو أنني متكاسل عن تعلم ما فاتني، فقد شبتُ، ولقد انتهى زمن الكُتَّابْ!
ولقد مات أبي أيضاً، ولم تعد ملامحه القديمة تفيدني في العصر السريع، ولقد غادرتُ أمي رجلاً ناقصاً في الثالثة والثلاثين، وأشقائي يبتعدون ويتزوجون، و"أبناء الحلال" تواروا عن الأنظار بانتظار تأكيدات أن "الدنيا لسه بخير"، وأنا وحيدٌ تماماً الآن في بلاد الوحيدين، فلا امرأة وحيدة تبدي استعداداً تلقائيا لحبِّ رجل "لا يعرف شيئا"، ولا نادلٌ يدلني لـ"وجه الله" على طريقة آمنة لإغلاق "الإيميل"، والوقت يمضي، وما أزألُ على طرف الشارع الغريب جاثياً، علَّ "فاعل خير" يخبرني متى تنام الوحدة؟!

[email protected]