محاربة التطرف.. استراتيجية سرية!

ليس التحالف الدولي الذي تشكل لمحاربة المتطرفين في العراق وسورية، هو وحده الذي ولد "مقلوبا" كما قال جلالة الملك. الخشية هو أن تكون الاستراتيجية "السرية" التي وضعتها الحكومة لمواجهة التطرف في الأردن، هي الأخرى مقلوبة، لا بل ومعزولة عن السياق الوطني العام.اضافة اعلان
مما تسرب من ملامح عامة وتفاصيل جزئية عن الاستراتيجية، يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
أولا، اقتصر إعدادها على فريق حكومي من دون مشاركة حقيقية من طرف قطاعات سياسية وفكرية واجتماعية، هي في الواقع صاحبة المصلحة الأولى في محاربة الأفكار المتطرفة. بهذا المعنى، فإن الاستراتيجية مجرد خطة حكومية صرفة.
ثانيا، الاستراتيجية مقلوبة بالفعل؛ فهي تحدد الإجراءات قبل أن تضع الأهداف. ضبط الخطاب الدعوي في المساجد، والكلام المعمم عن المناهج الدراسية، ودور وسائل الإعلام في التوعية، ليست أهدافا. يتعين على الدولة وأداتها التنفيذية؛ الحكومة، أن تحددا العناوين والمفاهيم الكبيرة، وترسما الخطط لتطبيقها.
ثالثا، إن أي استراتيجية تتجنب مواجهة المفاهيم الكبيرة ستفشل حتما، وفي أحسن الأحوال ستقتصر معالجاتها على القشور من دون أن تصيب قلب المشكلة.
والمفاهيم الكبيرة التي ينبغي أن تكون عناوين الاستراتيجية، تتمحور في الجوهر حول مبدأ الإصلاح؛ الإصلاح الديني، وإصلاح المناهج الدراسية، وتصويب المفاهيم الخاطئة عن الآخر. كل هذا تحت شعار كبير ومركزي؛ الدولة المدنية.
الاستراتيجية، كما هو باد من ملامحها، لا تتعرض من قريب أو بعيد لهذه المفاهيم، ولا تضعها في الاعتبار.
محاربة التطرف في الخطاب الديني السائد لا يكون بتبديل الخطباء في المساجد، وإنما بمراجعة جريئة وعميقة لدور المؤسسة الدينية في الحياة العامة، ومكانتها في عقل الدولة؛ ما يجعل من مبدأ فصل الدين عن الدولة أمرا ممكنا في الواقع. هذا إذا كنا نريد بالفعل دولة مدنية في الأردن.
غير ذلك سيكون مجرد تحايل ومداراة للواقع القائم؛ لم يُجدِ في السابق، ولن يجدي في المستقبل.
محاربة التطرف الديني بسلاح الاعتدال الديني، حجة سخيفة ومحكوم عليها بالفشل. في عديد الدول العربية؛ كما مصر والسعودية، مؤسسات دينية عريقة ومعتدلة، لكنها لم تكن يوما سوى معاهد لتخريج المتطرفين.
رابعاً، يبدو من المتاح عن الاستراتيجية، أنها مصممة على وقع الهواجس الأمنية، وتحت ضغط اللحظة الراهنة، والمتمثلة في الحرب الدولية على "داعش". وهي بهذا المعنى استراتيجية في خدمة الأهداف العسكرية والأمنية. إذا كان هذا التقدير صحيحا، فهي استراتيجية مقلوبة بالفعل؛ فالأصل أن تكون المواجهة العسكرية والأمنية جزءا من الاستراتيجية، وليس العكس. كما أن تخضع المواجهة في البعدين المذكورين لأهداف الاستراتيجية، وفلسفتها السياسية والفكرية.
لم نسمع في الاستراتيجية شيئا عن البعد المتعلق بالإصلاح السياسي والديمقراطي، وأثره في مكافحة التطرف.
إن العملية برمتها تدور حول مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان الأساسية. التطرف بكل أشكاله نقيض الديمقراطية، والعدو الأول لحقوق الإنسان. ما من إنسان يقبل التنازل عن حقوقه من أجل فكرة دينية أو دنيوية متطرفة. لكن قبل ذلك عليه أن يعرف حقوقه هذه. والعملية الديمقراطية هي التي تؤهل البشر لإدراك حقوقهم، والتصدي لكل من يحاول مصادرتها باسم الدين أو أي إيديولوجيا.
إذا لم تنطلق الاستراتيجية الحكومية من هذه الفكرة البسيطة، فلن تعدو أن تكون أكثر من حزمة إجراءات بيروقراطية تبقى حبيسة الأدراج، ولا يلمس المجتمع أثرا لها.