مدن ومطارات

كنت أقارن مجتمعاتنا بالمطار، فأجد شبها كبيرا بين المجتمعات والمطارات؛ ليس لأنه يفترض أن يكون هناك شبه، ولكن لأننا لا نكاد نكون مجتمعات، وإنما تجمعات سكانية مثل تجمع المسافرين في المطار. وفي فترة من الزمن كنت أسافر فيها كثيرا، صرت أجد لبسا وأنسى إن كنت في المطار أو في المدينة.اضافة اعلان
بعد مشاهدتي فليم "تيرمنال"، اكتشفت أن المطار يملك كيانا وعلاقات أقوى وأشد عمقا من العلاقات الاجتماعية القائمة في مدننا. ففي اهتمامي بالمسافرين فقط، لم ألاحظ تلك الشبكة الواسعة والعميقة من العاملين والمقيمين في المطار، والذين تربطهم ببعضهم علاقات وصراعات هي أقرب إلى المجتمع مما يوجد في مدننا.
المدن تكاد تكون مثل الناس، يربطك بها ما يربطك بالناس؛ التضامن والانتماء والمشاركة، والحنين والصداقة والألفة، والجفوة والعداوة، تظل في أعماقك تحفر بعيدا. وفي الترحال والغربة، ترهقك العلاقات والذكريات والمقارنات. هذا الشعور تجاه الأماكن، بالغربة أو الانتماء، يرهقني ويجعلني حائرا؛ أشعر بتوق وحنين يكاد يكون مرضيا إلى مدن عشت فيها، مثل جدة وإسلام أباد، وأكاد لا أتذكر مدنا وبلادا عشت فيها، وأخرى أشعر تجاهها باغتراب ووحشة.
ثمة مدن زرتها أسرتني بدفئها وأسلوب حياتها (باريس وواشنطن)؛ ومدن تأسرك بجمالها وتحب زيارتها ولكنك تشعر أنها ليست أكثر من مكان جميل يمكن أن تزوره برغم عمق التجربة وإبهارها (ميلانو وكومو وأركنسا وسان فرانسيسكو)؛ ومدن متبرجة أنت بالنسبة لها عابر سبيل (بروكسل والدوحة ودبي)؛ ومدن ثقيلة محترمة، لكنكما لا تتبادلان سوى المجاملة، ويمكن أن تمضي حياتك تجاملها وتجاملك (الرياض والشارقة وبيروت وأبو ظبي)؛ ومدن عملية ومريحة، لكنها مثل مكتب أو مكان عمل عملاق، ليس سيئا ولكنه لا يصلح لأكثر من العمل (لندن ونيويورك)؛ ومدن رومانسية زيادة عن اللازم، تصلح لومضة حب صوفية لا يمكن إدامتها (بريشتينا عاصمة كوسوفا)؛ ومدن مبتذلة تمنحك نفسها ولكنها مستعدة أيضا لالتهامك (بيشاور وطرابلس وكراتشي)؛ ومدن عريقة جدا مثقلة بعراقتها، تحبها ولكنها بلا قلب، لا ترحب بك ولا تصدك (لاهور واسطنبول)؛ ومدن تحبها ولكن تقتلك الشفقة عليها، تهرب منها شفقة عليها (إربد والكرك ومادبا وعجلون والطفيلة والمفرق والرمثا والعقبة ومعان وسائر المدن الأردنية أو ما كانت مدنا)؛ ومدن مثل "الغيشا"، جميلة ومؤنسة وممتعة، ولكن يجب أن تنفق كثيرا لتستمتع بصحبتها (جنيف وزيورخ)؛ ومدن تحبها ولكنها مشغولة عنك لدرجة أنك تعتقد أنها لا تحبك (بغداد وأربيل والموصل)؛ ومدن تتوق إليها ولكنها لا تشعر بك، ليس لأنها سيئة ولكن قلبها كبير جدا زيادة عن اللازم يتسع للناس ويحبهم بدون أن يشعر بهم أو يدري عنهم (أورفا وحلب)؛ ومدن تشغل ذاكرتك العميقة والبعيدة وتراودك في أحلامك، مدنك أنت بالذات دون سائر الناس، لكنك محروم منها مثل أم تتزوج وترحل بعيدا عن أبنائها الأيتام، ظلوا وماتوا أيتاما (صفد وطبريا وبيسان والناصرة وحيفا)؛ ومدن مثل والدك الذي رحل ونسيك (الديكابوليس وشقيقاتها: بيلا وجراسا وكانتا وأدوم وفيلادلفيا وأربيلا وبيسان ورحاب وذيبان وحسبان والحميمة والموقر والقسطل والأزرق والبترا وبصيرا ومؤاب وعجلون ولستب والزرقاء..) تلاحق أسطورتها وتلاحقك، ولكنها ليست أكثر من شبح!
تموت المدن وتغنى وتفقر، وتزدهر وتسود، أو تمضي إلى الهامش والنسيان. إنها الجغرافيا التي تحل في التاريخ. عندما كانت الطرق التجارية تمثل شريان الحياة، كانت المدن قلبها النابض، ولكن الشاحنات والمركبات والقطارات عصفت بها؛ وعندما كان الملح المادة الأساسية للحياة، نشأت مدن وحضارات، ثم اختفت مع اختفاء الملح؛ وعندما كانت التوابل أعز سلعة تبحث عنها الطبقات الاجتماعية والأسواق، نشأت طريق الحرير بمدنها وأساطيرها!
كيف تنشأ المدن اليوم؟