مسارات استراتيجية

في زحمة الحدث اليومي او التعامل البرتوكولي قد لا نتوقف احياناً عند مسارات استراتيجية بدأت وتحتاج الى رعاية من الجميع لأنها تمثل عملاً نوعياً للدولة بكل مؤسساتها, انها من الاعمال الكبيرة التي قد نظلها بعدم الاهتمام تحت ضغط الصغائر والمعارك الجانبية.

اضافة اعلان

ومن منطلق تفكير بعيد المدى كان هناك عمل مباشر من الملك في قضية الطاقة التي اصبحت ليست شغل العلماء والباحثين فقط، بل همّ ومشكلة اقتصادية اجتماعية, ولهذا جاء التفكير والعمل الذي بدأ في قضية الطاقة النووية السلمية, وربما لا يتوقف البعض عن سلسلة من الاعمال والاتفاقات والبنى التحتية التي تمت وبسرعة كبيرة مع العديد من الدول مثل فرنسا وروسيا واخيراً الصين, والهدف البدء بعمل استراتيجي لامتلاك مصدر للطاقة عبر استغلال ثروة اليورانيوم الموجودة في الاردن والاستفادة من عوائدها لبناء المفاعل النووي السلمي الخاص بانتاج الطاقة الكهربائية.

والعمل الذي تم خلال العامين الأخيرين كان كبيراً جداً وبإشراف مباشر من الملك وباستثمار العلاقات السياسية الخاصة مع قادة الدول في فرنسا وروسيا, واخيراً زيارة الصين التي تحتاج إلى تركيز اكبر على مجمل الاتفاقات التي تم توقيعها, هذه الزيارة التي لم تستغرق اكثر من عشر ساعات منذ الوصول الى المغادرة.

الحديث ليس عن الزيارات الملكية بل عن فكرة جوهرية وهي ان وضع القدم على طريق مثمر واستراتيجي كفيل بإيجاد حلول حقيقية لجزء من مشكلاتنا, او تطوير لواقع, وما يجري اليوم في مجال الطاقة من اليورانيوم والصخر الزيتي لو بدأنا به قبل عشر سنوات مثلاً لكنا الآن قد بدأنا بالإنجاز وقطف الثمار, لكن ان تأتي متأخرة خير من ان لا تأتي, لكن العبرة دائماً في ضرورة امتلاك رؤية استراتيجية للتعامل مع القضايا واستغلال الامكانات والثروات القائمة دون الاستسلام لفكر العجز الاقتصادي او السياسي, لأن سبب العجز يكون قصور الرؤية بعيدة المدى, والكسل وغياب المثابرة.

ولعل من حسن الحظ ان هذا المسار الاستراتيجي في مجال الطاقة كان برعاية ومثابرة ملكية مباشرة, اي خرج من دائرة الاداء الحكومي, الذي يضيع احياناً بعض الامور الهامة, لكن وجود الملك جعل الحكومات مضطرة للعمل بذات الديناميكية والمتابعة وعدم الغرق في طرق تفكير قد تهدر الفكرة, ولهذا سنكون بعد اقل من عقد من الزمان ان شاء الله على موعد مع انجاز اردني في هذا المجال الحيوي, حيث استثمار ثروة اليورانيوم في انتاج طاقة نووية سلمية, واستغلال للصخر الزيتي في ذات المجال وهو الطاقة.

وهنا اشير ايضاً الى قضية مياه الديسي ومشروع سحب المياه الى عمان, وهو مشروع لم تختلف الحكومات على اهميته الاستراتيجية لكنه عبر العديد منها دون ان يتم الحسم, وللإنصاف فان العديد من العقبات لم تكن اردنية بل خاصة بالتمويل والعرقلة من هنا او هناك.

الامر بحاجة الى حسم تم قبل شهور من الحكومة بحيث تم اعلان البدء بالمشروع الهام لكل الاردنيين في مجال المياه, وهو مسار استراتيجي كان يمكن ان ننجزه او نبدأ به قبل سنوات، لكن الحسم جعلنا على موعد بعد حوالي ثلاث سنوات للاحتفال بانتهاء العمل وبدء التشغيل والاستفادة من هذه المياه.

وحتى فكرة سكن كريم لعيش كريم التي اطلقها الملك قبل شهور فهي فكرة استراتيجية ليس لإسكان الاسر الفقيرة بل لرفع مستوى دخل الطبقة الفقيرة والمتوسطة في القطاعين العام والخاص عبر امتلاك سكن خاص بدلاً من دفع الايجار الذي يستنزف الراتب, كما انه يوفر للأسرة بيتاً تملكه طوال الحياة, والفكرة جوهرية لكن التطبيق وبخاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين المواطن والبنوك التجارية يحتاج الى مراجعة, واذا تم هذا فإننا سنكون بعد خمس سنوات على موعد مع امتلاك اكثر من (100) ألف اسرة اردنية بيتاً خاصاً, مع استمرارية التنفيذ على اكثر من مرحلة.

جوهر الأمر ان الدولة بحاجة الى امتلاك مسارات استراتيجية لعلاج مشكلاتها او تطوير قطاعات هامة, وهذا يحتاج من الحكومات ان تمتلك هذا الجزء الهام من العقل دون الاستسلام للقضايا الاجرائية التي لا تنتهي, وربما على الحكومات ان ترتقي الى الديناميكية والمثابرة والرؤية بعيدة المدى التي يعمل بها الملك, او على الاقل ان تمارس التنفيذ بذات العقلية, فعبر اكثر من حكومة كان البطء سبباً على الاقل في تأخير انجاز وربما هدر بعض المسارات الهامة.

[email protected]