مسيرة الإصلاح الأردني

لم يتغير النهج الهاشمي منذ أن بعث الله سبحانه وتعالى برسالته السماوية لنبي الأمة وأمره بإبلاغها للناس لتكون رسالة هداية وخلاص ونجاة وبناء وتطور وإصلاح. حيث اعتمد الفكر الهاشمي في الإصلاح منذ الأساس على النهج النبوي في الحرية والإقناع، فلا إكراه في الدين، معتمدين على قاعدة مشاركة الجميع، إذ لكل فرد دور، ولكل فرد مسؤوليته في بناء المجتمعات، فضلا عن مفهوم الشورى التي كانت القاعدة الأكبر في الوصول لتوافق عام، والأنسب والأكثر قدرة للآراء والأفكار والطروحات التي عمقتها حقيقة الإيمان بالله والاقتناع بالقرآن ككتاب مرسل.

اضافة اعلان

فالحرية والشورى والعدالة والمساواة والمسؤولية والمصداقية والقناعة والولوج بالأولويات ومشاركة الجميع كل حسب قدرته وإمكاناته، هي مرتكزات حافظ الهاشميون على بقائها العنوان الأكبر في تاريخ نضالهم وقياداتهم عبر القرون والقرون.

ولم يكن الحسين بن علي ليطلق رصاصته الأولى لولا قناعته بالثورة الإصلاحية للحفاظ على كينونة القومية العربية، وتخليص الناس من الظلم والاستبداد والتتريك ومصادرة الحريات والأموال والممتلكات وتحويل الأمة إلى عبيد، أوليس الحال كان أشبه ما يكون ما قبل الجاهلية.

فكانت الثورة العربية الكبرى وكانت الأمة بأسرها تثور لتصنع مسيرة الحياة الجديدة لهذه الشعوب، وكانت أعظم ثورة للإصلاح والبناء المنير الجديد. وسارع الحسين بن علي لترسيخ مفاهيم الثورة الإصلاحية وتجسيدها بمفاهيم تنظيمية، يشارك بها كل أبناء الأمة من أقصاها إلى أقصاها، على اعتبار أن الجميع شركاء في البناء.

وعندما اشتد الوضع في بلاد الشام والعراق، ووقعت شعوبها بين يدي طاغوت الاستعمار الفرنسي والإنجليزي، تنادى ثوار الأردن وقبائلها وعشائرها وثوار الأمة بتكوين دولة في الأردن تكون بداية لتحرير المغتصب من الأرض، وتحرير الشعوب التي وقعت تحت نير الاحتلال، وبنفس الوقت توحيد وتجميع ثوار الأمة والانطلاق بهم نحو الخلاص. ووجدت هذه العشائر والمفكرون وأصحاب الرأي أن هذا الهدف لا يمكن أن يكتب له النجاح إلا إذا قاده من يقتنع به الناس، ويثقون به، ويقتنعون بدوره الاصلاحي الديمقراطي الحر، وله من المواصفات والإمكانات ما تمكنه من تحقيق الحلم الوطني القومي، فكان الإجماع نحو أحد ابناء الشريف الحسين بن علي لأن يكون قائد عصر النهضة والبناء، فكان الملك عبدالله المؤسس، وكان الأردن، وكانت الدولة التي جمعت قادة الأمة وثوارها في بوتقة سياسية جغرافية، فجمع العشائر ووحد الرؤى والفكر ورسم خريطة طريق التحرير والبناء، وثبّت دعائم إقامة الدولة، وشكّل لها مؤسساتها. واجتهد حكماؤها فوضعوا التشريعات الناظمة التي كانت فكرا وطنيا قوميا دينيا بامتياز. وكان الأردن وكانت حكومات الأردن التي لم تنظر للإقليميات ولا العنصريات، فكان رشيد طليع اللبناني الأصل أول رئيس حكومة، وكانت المؤتمرات الشعبية التشاورية، وكانت القرارات التي لم  تؤخذ إلا بالتوافق العام، فكان الرضا الذي اعتمد على الاستماع لكل رأي وفكر.

ولما جاء الملك طلال كانت رسالة الهاشميين الإصلاحية رسالة ممدودة متواصلة، فأضاف الدستور الذي  يعتبر من أفضل الدساتير العالمية مناداة بالحقوق والحريات، وتضمنه لقواعد وأحكام تقود عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية، لتسير بشكل متواز مع الفكر السياسي الذي فتح المجال على مصراعيه للحريات والحزبية وبناء قاعدة حق الجميع في المشاركة والعمل. فكان الدستور انطلاقة إصلاحية تضم القواعد والأحكام التي مهدت لقوانين وتشريعات متطورة وحديثة وناجعة.

ولم تكن الأحداث والتحديات التي واجهت الحكم الهاشمي، وخاصة في الأردن، بموانع تحول دون الاستمرار في الرسالة والمنهج المتوارث الذي حمله الهاشميون، فكان الحسين الباني رحمه الله ينطلق منذ نعومة أظفاره ويعمل لوضع الأردن على الخريطة العالمية، ويواجه جبروت التحديات والمؤامرات التي استهدفت هذا النموذج الأردني الذي نال احترام وتقدير العالم، وبنفس الوقت اعتباره صورة مشرقة للنموذج الشرق أوسطي الجديد. فالملك الحسين  رأى العام 1989 أن تعزيز مفهوم الديمقراطية في الأردن وترسيخ مفهوم الإصلاح هما الجائزة التي يستحقها الشعب الأردني، ووجد أن الظروف والتحديات والوقت تتطلب مشاركة أوسع وأكثر فاعلية لأبناء الوطن لترسيخ مفهوم مشاركتهم في صنع حاضرهم ومستقبلهم، معتمدا على ثقته وقناعته المطلقة بأبناء الوطن وحبهم وانتمائهم لثرى هذا الوطن وولائهم لقيادته، فعاد البرلمان وعدلت التشريعات وألغيت القوانين العرفية التي وجدت إبان الحرب،  وتشكلت المؤسسات الديمقراطية التي أشرت بشكل واضح لمستقبل وطني أكثر إشراقاً وبهجة، حيث شاهد العالم بأسره وقبله الأردنيون إبان تشييع جنازة الملك الراحل الحسين  موقع الاردن ومكانته في أعين وسياسيي ودول العالم.  فكان الميراث الذي تركه الملك الراحل كبيرا، ويحتاج لمن يكمله في أطره العامة وأهدافه التي رسمت مسيرة طويلة الخطوة تحتاج إلى النفس الصادقة المؤمنة بهذا الوطن، فجاء جلالة الملك عبدالله الثاني الذي لم تكن انطلاقته التي راهن عليها البعض انطلاقة طبيعية، بل فاقت التصور وتجاوزت كل التوقعات. إذ كانت نجاحاته في الغرب تجلب الاضواء، حيث كان لرؤياه وتطلعاته وبرامجه نبض من نوع خاص، إذ تدمج العراقة والأصالة بالحداثة وتفتح الأبواب على مصراعيها لمن لديه القدرة والامكانية والابداع، وتجعل من الوطن الأردني النموذج الذي يحترم. ففيه احترام الرأي والرأي الآخر، حيث الدور والمشاركة والانغراس في عملية التنمية الشاملة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا واعلاميا وثقافيا... الخ. فالملك يؤمن بالتنمية الشاملة وبخطوطها المتوازية المعتمدة على بعضها، مركزا على الديمقراطية ومفاهيم الحرية المسؤولة، ودور كل التنظيمات السياسية والنقابية والتطوعية، كل حسب موقعه، وبأهمية التشريعات المتطورة المنفتحة التي تراعي أن الأردن جزء من هذا العالم وبنفس الوقت المحافظة على خصوصيته كدولة هاشمية ذات مسؤوليات عربية وإسلامية. وكان الملك هو نبض المواطن الأردني، فتجده في البادية والريف والمخيم والمدينة، وتجده في المؤسسة والشارع يستمع لما يقوله الناس وعن ماذا يتحدثون، يتحسس همومهم ويتعرف على مطالبهم.

إن فكر الملك عبدالله الثاني الإصلاحي يقوم بالأساس على المشاركة الشعبية الشاملة، ودور المواطن في الريف والبادية والمخيم والمدينة. وللمناطق النائية في فكر الملك دور تأخذه من خلال نهج اللامركزية بحيث يساهم أبناؤها في تحديد أولوياتها وتنفيذها، فأهل مكة أدرى بشعابها.

يريد من الأحزاب السياسية أن تتنافس بالبرامج، وتحقيق التعددية السياسية يريد برلماناً واعياً يقوم بدوره التشريعي والرقابي الذي يمكّن الحكومة من أداء دورها على أكمل وجه لخدمة الوطن والمواطن وتحقيق العدالة والمساواة ومحاربة المحسوبية والفساد بكل صوره وأشكاله.

لقد كان ضمن رؤية الملك الإصلاحية الاعتناء بالشباب أمل المستقبل تعليما وتأهيلا وتدريبا، خاصة وأن الشباب يمثلون النسبة الأكبر في تركيبة الجسم الأردني. فكان التعليم محل عناية الملك واهتمامه، فركز على المعلم وعلى الطالب والمنهاج، وشارك بوضع الاستراتيجيات التربوية التي تحدّث الرؤى التربوية وتربطها بواقع ومستقبل الوطن، وتحفز الإبداعات، كما تهيئة كافة الظروف والمناخات التي تؤهل الطلبة لمرحلة جامعية تخرج الكفاءات والقادرين المبدعين الذين ينهضون بهذا الوطن حاضرا ومستقبلا.

لقد كان للاقتصاد الوطني نصيب كبير في نهج الملك الإصلاحي، حيث قاد الملك شخصيا الانفتاح الاقتصادي الاردني على الخارج، فكانت اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة في بداية القرن، وكان انضمامنا لمنظمة التجارة العالمية. وعقدنا الاتفاقيات التجارية الثنائية مع عدد من نسور الاقتصاد العالمي، وفتحنا اسواقنا عليها، وأنشئت المناطق الصناعية في الأردن، حيث اعتمد الملك على رفع مستوى الاستثمار العام والخاص، وتوفير المال العام وحمايته من الفساد، وخفض مستوى الانفاق، والعمل على رفع مستوى الناتج المحلي الاجمالي، والحد من المديونية، وبنفس الوقت توسيع قاعدة مشاركة القطاع الخاص وتكوين المناطق التنموية وتهيئتها لجلب الاستثمارات.

وهنا فقد ركز الملك في فكره الإصلاحي على الإعلام باعتباره الضابط الحقيقي للمسيرة الوطنية والرقيب على كافة أعمال الدولة، وبنفس الوقت المحرك الرئيس لكل الفعاليات الوطنية معتمدة على الحقيقة والاخلاق المهنية. فنرى الملك يطلق الرؤية الملكية للاعلام التي منحت الاعلام الحرية التي لا حدود لها، وجعل من القانون والاخلاق المهنية مرجعية لهذا الاعلام بعيدا عن التشويه والمبالغة وتشويه صورة الانجاز الوطني، بل ويسعى لأن يكون اعلامنا قادرا على المنافسة والدفاع عن الوطن، وهذا لا يتأتى إلا بالاستقلالية والمسؤولية الوطنية والتشريعات الحديثة وتعميق مفهوم الاستثمار الإعلامي.

إن الحديث عن الفكر الاصلاحي في عهد الهاشميين هو حديث عن علاقة قادة بشعب، وهي علاقة توأمية أساسها الشرعية الدينية والنسبية، وفكرها الإصلاحي قائم حتى يوم الدين؛ فالفكر الإصلاحي هو جزء أساسي من النهج الهاشمي، خاصة وأن سياسة التنوير والإضاءة التي يعتمدها الفكر الهاشمي لا يمكن أن تنجح إلا بمشاركة شعبية شاملة. لهذا نجد مفاصل العمل الإصلاحي الذي يقوده الملك شخصيا تستهدف كل نواحي حياة الإنسان الأردني، وهذا عقد فريد ما بين القيادة والشعب، تعاهدوا عليه منذ نشأت الدولة فكانت ثنائية "الأردنية والهاشمية" ثنائية حتمية، أساسها المحبة والقناعة والتوافق والتوجه نحو المستقبل المشرق المليء بالتفاؤل.