مشروع مارشال عربي

لا يختلف اثنان أن المعضلات الحقيقية والعميقة التي تواجه دول الربيع العربي، الثائرة منها أو تلك التي تمضي إلى الإصلاح بطريقتها الخاصة، تتمثل في الفقر والبطالة وتدني المستوى المعيشي في هذه الدول. اضافة اعلان
ويتفق كثير من الخبراء والمحللين على أن الظروف الاقتصادية الصعبة، وعجز الإنسان العربي عن توفير الاحتياجات التي تكفل له الحد الأدنى من العيش الكريم الذي يحفظ كرامته، قد أدت إلى خلق بيئة حاضنة للاحتقان وعدم الرضا، ما أسهم في تفجير الثورات في بعض منها، أو دفع الناس في أخرى إلى الشارع احتجاجا على ظروف حياتهم الصعبة.
ليست الأنظمة العربية هي وحدها من تفاجأت بشعوبها، بل إن العالم الغربي، وضمنه أوروبا، أصيب بصدمة كبيرة لما حدث، خصوصا أن كل التحليلات والقراءات والأبحاث التي تُجرى هناك حول المنطقة فشلت في التنبؤ بمثل هذا الحدث الجلل.
أوروبا، وبعد أن استوعبت ما جرى في العالم العربي، واستعادت أنفاسها التي حبستها لفترة كرد فعل على الثورات الكبيرة، عادت من جديد لتستعيد المبادرة. وهي تسعى إلى استعادة دورها، وحجز موطئ قدم لها في منطقة الشرق الأوسط التي بدأت تتشكل لها ملامح جديدة ما بعد الربيع العربي.
المهم في موقف أوروبا والغرب عموما من المنطقة، هو أنها بدأت تدرك وتؤمن أن الإصلاح السياسي مسألة لا يمكن التهاون فيها، ما يدفعها إلى تقديم مبادرات لدول الربيع، الثائر منها وغيرها.
المهم هذه المرة، وحتى لا تضيع الأموال والمنح بدون طائل، أن تستثمر قيادات الدول هذه الفرصة، لتتمكن بما يقدم لها من منح ومساعدات من الاستجابة لطموحات شعوبها، وتتمكن من تحقيق التنمية المستدامة التي طالما أخفقت فيها.
من جانب آخر، على الدول العربية، وتحديدا الغنية منها، الإدراك جديا أن حالة الدمار التي تعيشها دول المنطقة تشبه إلى حد كبير ما حدث في أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية، وتحديدا ما يتعلق بالخراب الاقتصادي الذي يهيمن على المنطقة.
أوروبا خرجت من الأزمة بإطلاق مشروع وضعه الجنرال جورج مارشال، رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي ووزير الخارجية لاحقاً، وخطط لإعادة تعمير أوروبا بعد انتهاء الحرب. وتم بموجب المشروع إنفاق 13 مليار دولار أميركي لإعمار وتشغيل الاقتصاد الأوروبي.
عربيا، دولة مثل الأردن بموارد محدودة، غير قادرة على الخروج من عنق الزجاجة وحدها؛ وتونس ليست أحسن حالا، وكذلك المغرب. وإعادة حالة الاستقرار التي تطمح إليها الأنظمة بحاجة إلى مشروع مارشال العربي، الذي يسعى إلى التخفيف من وطأة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية تحديداً، تماما كما هدف مشروع مارشال الأميركي قبل نحو ستة عقود.
ولعب هذا الدور عربيا ممكن من خلال الدول العربية الغنية التي تمتلك فوائض مالية كبيرة تفوق 1300 مليار دولار، وبلغت خلال العام الماضي وحده نحو 800 مليار دولار. ولا جدوى من كل هذه الأموال إن ظلت في الخزائن وبقيت الشعوب العربية في الشوارع تغلي وتشهد حالة من عدم الاستقرار.
بعيدا عن عقلية العون والفزعة، على الجميع العلم أن استقرار المنطقة مصلحة جماعية، والفوضى لن تستثني أحدا. وانطلاقا من مبدأ مصلحي، يجب على الدول الثرية أن تطلق مشروع مارشال عربيا وفق شروط محددة، تسهم في تحقيق الإصلاح المنشود وتنتشل المنطقة من الفراغ.