مشهد مالي ضبابي

لأول مرة يخلو بلاغ الموازنة العامة من سقف مالي محدد، يوضح حجم النفقات والإيرادات العامة والعجز لقيمة مطلقة، ما يعكس حالة من عدم اليقين حول قيمها النهائية، وتحديدا ما يتعلق بالمساعدات العربية، والتي يتوقع أن تصل 2 مليار دولار.اضافة اعلان
بحسب خطة المساعدة العربية والمقدمة من دول خليجية والتي أعلن عنها والتي تصل 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات، يمكن أن تسهم بالأخذ بيد المملكة لحين عبور الأزمة بأمان.
وبند الإيرادات المحلية ليس من السهل تقديره في ظل المعطيات الحالية وتلك المتوقعة خلال العام المقبل، خصوصا وأن حالة النشاط والنمو الاقتصادي لم يعد من السهل التكهن بها، ومثال ذلك ما حدث خلال العام الحالي حيث تراجع معدل النمو عن المقدر في قانون الموازنة العامة ومن قبل المؤسسات الأممية، وهو المؤشر الرئيس الذي يعتمد عليه تقدير حجم الإيرادات المحلية.
وحالة التباطؤ التي يمر بها الاقتصاد الوطني تعد نقطة مؤثرة في حجم الإيرادات، وتحديدا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الوضع السياسي الملتهب في المنطقة والذي يعيق تحسن تدفق الاستثمار والسياح، عداك عن القلق الذي يمر به المغتربون الأمر الذي يضعف وتيرة تحويل الأموال من الخارج، وبالتالي تراجع الإيرادات الضريبية.  ويمكن القول إن عدم وضع أرقام محددة لحجم الموازنة في البلاغ الذي أصدره رئيس الوزراء قبيل العيد، إنما يعكس حالة من عدم اليقين والضبابية التي تلف هذه المسألة في دولة تعتمد بالدرجة الأولى على الضرائب كمصدر للإيرادات.
لكن الأمر الإيجابي في هذا العام أن الحكومة أصدرت بلاغ إعداد الموازنة العامة للحكومة المركزية وموازنات الوحدات الحكومية ضمن سقف واحد، ما يعتبر أعراضا لـ "حركة تصحيحية" لبعض أخطاء الماضي، خصوصا وأن هذه الخطوة تساعد على تقليص النفقات، ووقف الهدر في المال العام، ووضع محددات على نفقات المؤسسات المستقلة، والتي ستلتزم بسقف الإنفاق الكلي للدولة.  هذه الخطوة تضعنا على أول الطريق الصحيح، لكن يبقى القرار الأهم متمثلا بإعادة موازنة المؤسسات المستقلة تحت مظلة الموازنة العامة، وتفعيل ضوابط الرقابة على إنفاق هذه المؤسسات التي شكلت خللا كبيرا خلال السنوات الماضية وكانت بمثابة "كيانات" داخل الدولة لها قوانينها وخصوصيتها "وحكمها الذاتي" التي لا يجرؤ أحد على التدخل فيه.
والمسألة التي تحتاج إلى تدقيق أكثر، تلك المرتبطة بتقديرات الحكومة لقيمة الناتج المحلي الإجمالي والتي قدرتها حسب البلاغ بنحو 22 مليار دينار، والذي يتوقع أن يصل خلال العام الحالي حوالي 20 مليار دينار؛ حيث تشي الأرقام ببعض المبالغة في تقدير أرقام الناتج المحلي.
والمبالغة في الناتج المحلي في ظل تراجع النمو الاقتصادي، تؤثر بشكل مباشر على باقي المؤشرات المتعلقة بالموازنة العامة، خصوصا عجز الموازنة والذي تم قياسه تبعا لحجم الناتج المحلي، والمتوقع أن يصل الى 1.25 مليار دينار خلال العام المقبل، بحيث لا يتجاوز العجز الكلي بعد المنح ما نسبته 5.6 % من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية المقدرة لعام 2012 بمبلغ 22.238 مليار دينار وبنسبة نمو قدرت بـ9 % عن العام 2011. الحقيقة أن معظم مشاكلنا المالية نبعت في الماضي من غياب الدقة عن أرقام المالية العامة خلال السنوات الماضية، ومحاولة بعض المسؤولين إخفاء عيوبها القاتلة عن الرأي العام، ما صعب الموقف على الحكومة الحالية.
بيد أن الخروج من المأزق والبدء في حل المشكلة يتطلب مصارحة وشفافية غير مسبوقة حول الأرقام الحقيقية لموازنة العام الحالي، وعجزها ومديونيتها، ونفقاتها وإيراداتها، لنتمكن من هندسة موازنة العام المقبل على قدم ثابتة، تقوم على معطيات حقيقية بعيدة عن الخيال وسياسة الالتفاف والتورية.

[email protected]