مصر.. دائماً

لم تنته الانتخابات النيابية في مصر بعد، فما جرى في الأيام الماضية هو المرحلة الأولى من مرحلتين، وستجرى المرحلة الثانية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.اضافة اعلان
ويبدو لي أن ليس من الصحيح إطلاق أحكام عامة على هذه الانتخابات ودلالاتها السياسية، أو السوسيو-سياسية، حتى تجرى المرحلة الثانية، وتُعلَن النتائج، من فائزين ونسب مشاركة وتقارير رقابة انتخابية وما إلى ذلك، وتكتمل -من ثم- العملية الانتخابية.
مع ذلك، يمكن هنا إيراد بعض المؤشرات ذات الطابع البنيوي -إن صح التعبير- يمكننا استخلاصها من مجريات المرحلة الأولى.
في صدارة ذلك، أنه تترسخ لدي، يوما بعد يوم، قناعة بأننا (وأقصد، هنا، "الانتلجنسيا" العربية والمختصين بالعلوم الاجتماعية) أهملنا مصر كثيرا، تحت فكرة أن ما جرى في 3 تموز (يوليو) 2013 هو انقلاب. ومن ثم، لم تعد مصر موضوعا مغريا. أقدِّر أنه لا يجوز للباحث أن يُخضع عمله البحثي لتوجهه السياسي. مع ذلك، تعتمل في مصر -تحت غطاء الانقلاب- ديناميكيات سوسيو-سياسية معقدة. خطأُ "الانتلجنسيا" العربية هذا يشبه خطأها مع العراق، الذي كان -لعقود- يُختَزَل بأفكار عامة، مناظرة لـ"الانقلاب"، من قبيل: الدكتاتورية، أو الحصار، أو الاحتلال، أو ما إلى ذلك، فيما كان المجتمع العراقي -تحت كل هذه الأغطية- يتطور على نحو معقد.
لعل من أهم المظاهر التي شهدتها الجولة الأولى من الانتخابات، والتي أثارت نقاشا موسّعا خلال اليومين الماضيين، هو عزوف نسبة كبرى من الناخبات والناخبين المصريين عن المشاركة والتصويت، إذ لم تتعد نسبة المشاركة نحو 20 %. وقد وصفت وكالاتُ الأنباء العالمية مراكزَ الانتخابات بأنها كانت "شبه مهجورة". وبقدر ما يبدو أن هذا العزوف ليس مقاطعة نابعة من معارضة للنظام السياسي، ولا حتى موقفا سلبيا منه، يبدو لي أنه -في النهاية- يعبِّر عن موقف سياسي ما، وهو استسلام الشعب المصري لعودة أركان الحكم التقليدية. وهذا، في تصوري، هو أحد الأجوبة عن أزمة "الربيع العربي".
تتجسد هذه العودةُ بنظام رئاسي، شمولي إلى حد بعيد. ولذلك، لا يبدو المصريون يعبأون بالمؤسسات السياسية، غير مؤسسة الرئاسة، بغض النظر عما يمكن أن تعنيه وتؤديه هذه المؤسساتُ من وظائف.
وبهذا المنطق، لا يعني مجلس الشعب، ولا انتخاباته، شيئا كبيرا للمصريين. هذه الشفرة خبرها النظامُ جيدا، فلم يبادر حتى إلى تزوير نسبة المشاركة في الانتخابات وأعداد المصوتين، كما تفعل -عادة- الأنظمة التي على شاكلته.
قد يكون هذا العزوف تعبيرا عن رغبة في الاستقرار؛ استقرار المؤسسة السياسية المصرية، وأن لا تكون -من جديد- أمام خطر التهديد، وقد انهك المصريون كثيرا في السنوات الخمس الأخيرة. المصريون يبحثون عن الاستقرار الذي يمكن أن تحمله لهم الدولة، بغض النظر عن شكل النظام السياسي، ديمقراطيا كان أم لا.
أنا أتحدث، هنا، عن الثقافة الشعبية العامة، التي لا تستطيع أن تميِّز -بالضرورة- إن كان هذا الاستقرار هشا، مؤقتا، أو ثابتا.
وبالتوازي مع هذه الرغبة الشعبية العامة، يعمل النظام -بتصميم واضح- على بناء نظام رئاسي أكثر قوة، وسعة، وشمولية. يظهر هذا في سائر تفاصيل العلاقة بين المؤسسات السياسية، كما يظهر في طبيعة البرلمان القادم، الذي يتنبأ الكثير بأنه سيكون برلمانا ضعيفا، خاضعا لإرادة مؤسسة الرئاسة وملحقا بها. ويظهر، أكثر، في الطابع الهجين للنظام الانتخابي المصري؛ فهو -من جهة- نظام مختلط، ولكن من دون فلسفة واضحة لنسب مقاعد النظام الفردي ونظام القوائم، وهو يعتمد -في جزء منه- على نظام القائمة، ولكن من دون التمثيل النسبي، إذ تأكل القائمةُ الفائزة الأولى كل مقاعد الدائرة الانتخابية، هذا فضلاً عن الحصة التي يعيّنها الرئيس، وما إلى ذلك من ملابسات.
وفي العادة، يحتج المجتمع الدولي على سمات كهذه في أي نظام انتخابي، لا تتطابق مع معايير النظم الانتخابية الديمقراطية. لكن، يبدو أن العالم لم يعد معنيا بمصير الديمقراطية في مصر، مثلما أن النظام المصري لم يعد يحفل ببيان تطابقه مع المعايير العالمية.
ماذا يريد النظام، إذن، من هذه الانتخابات؟
باختصار، إنه يريد أن تؤمِّن هذه الانتخابات، بضربة واحدة، ثلاثة أمور متداخلة: تعزيز النظام الرئاسي، وضمان نفوذ المؤسسة العسكرية، وعودة أركان النظام السابق.
ولعلنا سنعود إلى مناقشة الانتخابات المصرية، بمزيد من التفصيل، بعد أن تكتمل العملية الانتخابية.