مصر..وما فعل المغامرون الثلاثة!

 

في كل مرة أزور مصر، وبمجرد أن أخرج من المطار، تتزاحم في بالي الأسئلة: أين "تختخ" و"لوزة" و"نوسة" و... وتلك بلا شك قدرة هائلة لدى كاتب مثل "حلمي سالم" أن يشكل في ذهنك منذ كنت صبيا أن مصر هي كتابته، وقصصه، ومغامرات صبيته الخمسة!

اضافة اعلان

لا تستطيع وأنت تتسكع في حي "المعادي" القديم، الذي انتسب إلى الأرستقراطية في شبابه، مثل اللويبدة وجبل عمان، سوى أن تتخيل أن في احدى هذه الفلل اجتمع "المغامرون الخمسة"، وفي حديقتها كشك خشبي ينام فيه الكلب "زنجر"، وفي الحديقة الخلفية درج الشغالين الذي....الخ!

هي مصر الطفولة التي نقشها في رأسك كتاب محترفون، بقصص مثيرة وعاصفة لم تكن تنام أبدا حتى تكملها، واذا ما نمت داهمتك في كوابيسك وأحلامك، (المغامرون الخمسة) و(المغامرون الثلاثة –لم تكن بنفس المتعة) و(الشياطين الـ13)، كنا نستأجر تلك القصص من المكتبات بقرشين ونصف للكتاب لنهار أو نهارين!

و...كبرنا قليلاً فصرنا نقرأ نجيب محفوظ وعبد القدوس وعبد الحليم عبد الله والسباعي، وصارت قرى مصر وصعيدها وقاهرتها تأخذ شكلاً آخر، لم يلبث أيضا أن تغير ثانية مع أمل دنقل وصنع الله ابراهيم والغيطاني والقعيد وأصلان وبهاء طاهر وغالب هلسا، لكن مصر بقيت بمثابرة عجيبة تتخلق صوراً إثر صور، بمهارات كتابها الذين استطاعوا احتكار مخيلتك وذهنك لعقود طويلة رسموا فيها مصرهم هم، تبعا لقناعاتهم وتصوراتهم الأيديولوجية والثقافية.. لكنهم في النهاية قاموا بدور لا تستطيع أن تلعبه ألف وزارة للسياحة، بل لم يقم به أي ملك من ملوك الفراعنة لا يتجاوز مروره في الذاكرة أكثر من سطرين في كتاب التاريخ!

... والصورة ذاتها رسمتها أم كلثوم وعبد الوهاب، وبيرم والشيخ إمام، ثم أحمد زكي وسعاد حسني ومحمود حميدة، مع التأكيد أن أثر بديعة مصابني ونجوى فؤاد ودينا، ثم سعد الصغير وشعبان عبد الرحيم، لم يكن هامشيا ولا طارئاً، بل هو جزء "أصيل" وحيوي من التركيبة الثقافية والاجتماعية تاريخيا في مصر، منذ اسماعيل ياسين وحتى محمد سعد!

تلك قدرة المبدع، كاتبا وفنانا أن يحمل بلده الى العالم، حتى وهو يتذمر منها.. لكنه استطاع أن يجعلها مشهدا طاغيا ومقيما ومؤثرا في أدمغة وأخيلة وثقافة الملايين في كل جهات الأرض، وذلك حين توفر أهم شرط للكتابة: الحرية!

في حين تبقى بلاد كثيرة مجهولة وغريبة، لسكانها ولأهلها أنفسهم، فالكثير الكثير من ابناء العرب زاروا على التلفزيون، وعلى صفحات الروايات، قرى ونجوعا وكفورا وأزقة وشوارع خلفية في مصر، لكنهم لم يزوروا ولم يعرفوا أغلب قرى بلادهم ولا يعرفون شيئا عنها.. لأن كتابها أخفقوا في حملها والسير بها ولو لكيلو متر واحد!

أمس كنت أقف عند ضريح "جمال عبد الناصر"، تلك زيارتي الحميمة الأثيرة كلما زرت بلاده، ومن هناك فقط ترى كم تصير الأهرام قصيرة القامة،.. وجدتني أنحني أمسح غبارا سميكا عن شاهد المقام العظيم، وأتمتم: الحرب يا أبت لم تضع أوزارها،... لكن أوزار السِلم حطّت على كل بيت! 

[email protected]