مطالب مجتمعية فوق المصالح الضيقة

لافتة المطالب المجتمعية الآخذة في التزايد والتي صارت جزءا متجددا من الحراك اليومي الذي صاحب موجة الثورات الشعبية في العالم العربي.

ويعكس ذلك الحراك حالة الاحتقان التي كانت سائدة ولم تجد أدوات للتعبير في الماضي، ولعل سوء الإدارات وتفشي الواسطات وغياب العدالة هي الدافع الأكبر وراء الكثير منها.

اضافة اعلان

فالشركات والمؤسسات التي تتبع أسس التعيين المبني على الكفاءة والجدارة باتت الاستثناء في قاعدة يتم فيها التعيين والاستئثار بالوظائف والمغانم بسبب قوة النفود والمحسوبيات.

وفي هذه الأيام تشهد غرف الاجتماعات الوزارية والرسمية الكثير من اللقاءات بين المسؤولين في الوزارات والهيئات الرسمية مع ممثلي التجمعات الشعبية والنقابية لبحث الكثير من المطالب التي لا يجرؤ في كثير من الأحيان أن يخبر فيها الطرف الرسمي محاوريه بصعوبة تلبية مطالبهم لغياب المال.

وفي تلك الاجواء يتسابق المسؤولون لاتباع نهج الترضية وتقديم الوعود غير الواقعية من المال العام غير المتوفر لإسكات الأصوات التي قد تطلق التساؤلات المشروعة لو قوبلت الطلبات بالرفض حول الغبن الذي أصابها من فساد التعيينات والمحسوبيات.

والمؤسف أن ما يحدث يعكس أزمة الإدارة والنزاهة والأوجه الكثيرة والمبطنة للفساد الذي استشرى في حياتنا العامة وحتى الخاصة التي اختلطت فيها المصالح الخاصة مع العامة فى غياب المساءلة وأوجه الرقابة الفاعلة. ويتشجع الكثيرون في هذه الأجواء لفتح ملفات كثيرة لم يكن الحديث عنها مسموحا في مراحل ما قبل تلك الانتفاضات التي كسرت بعضا من حاجز الخوف، إلا أن تركيز تلك الأصوات فقط على مطالب جهوية، أدى الى تحييدنا عن سعى وتحرك مجتمعي نحو المطالب لإصلاح مؤسسي ينقل المجتمع للتغيير نحو الافضل. وفي وقت تزداد فيه الأصوات وسقف المطالب التي تصل إلى حد الابتزاز في بعضها، نرى كيف يتبارى مسؤولون فى الوزارات المختلفة لبعث رسائل طمأنة الى المعتصمين في البلديات من عمال مياومة وبلديات، وكم تسهل تلبيتها ليس من جيوبهم الخاصة، بل من مال عام يتضح كم هم حريصون عليه بدلالة عدم اكتراثهم بالمديونيات والاستحقاقات والفواتير المستقبلية.

لأن الموضوع لم يعد فقط اليوم مسألة تهدئة الخواطر فى تطمين متعصمين هنا أو هناك بزيادة في علاوة أو أخرى أو في مخصصات هنا وهناك. ويتوجب أن تنتقل الاعتصامات التي تعددت أسبابها وتطفو عليها مطالب توسيع دور الدولة الأبوبة نحو منحى إصلاحي ينتج الرخاء المجتمعي عبر تعزيز واصلاح مؤسساتنا التي أصابها الخراب.

اللحظة سانحة لتعزيز إصلاح مؤسسي يعمق سيادة القانون وكفيل بوقف تغول الفساد أو المحسوبيات ونحو قيم الإنصاف المرتبطة بالكفاءة والانتاجية. وتحتاج تلك التحركات والاعتصامات أن تتجاوز المطالب الضيقة نحو غايات أعم تؤدي الى تحسين المساءلة عوضا عن التركيز فقط على مطالب مادية بحتة باتت أسهل الطرق للهروب من الاستحقاقات الاصلاحية. فالحاجة اليوم اكثر من أي وقت مضى أن لا تنفلت زمام الأمور نحو حراك لا يصب في اتجاه إصلاحي حقيقي.

إن سعي بعض المتنفذين لحل الاشكاليات التي خلقتها المطالب الاعتصامية بالرضوخ وشراء الوقت وتسديد الفواتير من مال عام بات شحيحا، لن يؤدي سوى لترحيل الاستحقاقات ولمزيد من الديون.

آن الآوان أن نقول إن ساسيات شراء الذمم والرشوات لم يعد لها مجال بيننا لأننا نريد إصلاحا حقيقيا مؤسسيا يعيد الهيبة للدولة ومؤسساتها على قاعدة سيادة القانون والمواطنة غير المنقوصة.

[email protected]