مغامرة ساركوزي

لم يبلور الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أهداف سياساته الخارجية في العالم العربي في طرح محدد متكامل. وتنتظر مبادرة الاتحاد من أجل المتوسط التي أطلقها توضيحات كثيرة حول وجهتها. ولا أحد يعرف إلى أين سيمضي ساركوزي في جهوده إعادة تأهيل النظام السوري.

اضافة اعلان

لكن الواضح أن مدشّن الطلاق عن التقاليد الرئاسية الفرنسية يريد أن يكون لاعبا في المنطقة, عبر الانخراط في ملفات عصية هي مسيرة السلام ولبنان والعلاقات الاقتصادية الأوروبية العربية. وكل هذه ملفات لا ينفع معها تسرع ساركوزي الذي يبدو مبهورا بالأضواء ومدفوعا بنزعة تريد لفرنسا أن تكون بوابة أوروبا إلى الشرق الأوسط.

الظروف الإقليمية أتاحت لفرنسا النجاح في جمع حوالي  44 زعيما "متوسطيا" في باريس. لكن الظروف ذاتها ستحول دون إحراز تقدم ذي وزن في أي من الملفات التي يتصدى لها ساركوزي.

فالاتحاد من أجل المتوسط يمثل, بشكل أو بآخر, استكمالا لمسيرة برشلونة التي حققت نتائج متواضعة منذ انطلاقها في العام 1995 في ظروف إقليمية أكثر تفاؤلا ومواءمة. وليس من مؤشر مقنع إلى أن الشراكة الجديدة ستكون أفضل من سابقتها. التشرذم العربي الذي حال دون إفادة العرب من مبادرة برشلونة كمجموعة إقليمية ما يزال قائما. ومسيرة السلام التي يشكل نجاحها شرطا لإيجاد البيئة الإقليمية اللازمة لتبلور شراكة متوسطية كاملة تترنح تحت وطأة التعنت الإسرائيلي وعدم الاكتراث الأميركي والدولي.

تستطيع فرنسا أن تبحث عن مداخل لتفعيل دورها في مفاوضات السلام العربية الإسرائيلية وزيادة حضورها في الشرق الأوسط. لكنها كما جميع دول المنطقة تعرف أن أوروبا كلها أعجز من أن تحيي العملية السلمية  في ظل غياب الإرادة الأميركية. فأوروبا التي استثمرت مئات الملايين من الدولارات لبناء البنية التحتية الفلسطينية وقفت مشلولة في وجه الاحتلال الإسرائيلي الذي دمرها. وهي بالتأكيد ستكون عاجزة عن تفعيل عملية السلام بعد قرار إسرائيل وأدها بأفعال تقوض فرص تحقيق السلام الذي يمكن أن يقبل وأن يدوم.

أما جهود فرنسا تجاه لبنان فهي مرتبطة بوضع إقليمي قلق لا مجال للتنبؤ بمساره. يبدو الوضع في لبنان هادئا اليوم لأن أحد الفرقاء انتصر على الآخر في انعكاس لمشهد إقليمي ساد فيه التطرف على الاعتدال. ثمة في لبنان والمنطقة منتصر يحاول حصد الثمار وخاسر يحاول أن يلملم أوراقه ومجبر على قبول نتائج خسارته. سورية جزء من الفريق المنتصر الذي يسعى إلى تثمير الظروف الحالية كسرا للعزلة التي طوقتها على مدى سنوات.

في هذه السياق, فإن حضور الرئيس السوري إلى باريس لا يعني تراجعا عن السياسات التي كانت رفضتها فرنسا جاك شيراك والمجتمع الدولي ولا يمثل انتهاجا لسياسات جديدة منتجة للاستقرار. هو في باريس على شروطه. ولا يشكل انتخاب الرئيس اللبناني وتشكيل الحكومة اللبنانية انتصارا للقوى المنادية باستقرار لبنان واستقلاليته. وإذا اختار ساركوزي أن يقرأ تفاصيل المشهد اللبناني فسيكتشف أنه ركّب حسب الرغبة السورية الإيرانية ووفق الشروط التي تلبي, إلى درجة كبيرة, مطالب الدولتين. بشار الأسد ذهب إلى باريس ليكسر العزلة وليقول إن فرنسا, وليس نظامه, كانت مخطئة, والدليل هو الاستقبال الضخم له في باريس.

لن تنجح مبادرة الوحدة المتوسطية في تغيير المعطيات المقيتة في الشرق الأوسط. فلا التقدم في مسيرة السلام متوقع. ولا سورية في وارد تغيير سياساتها تجاه لبنان إلا بشكل صوري يخدم أهدافها وحلفاءها وليس لبنان واستقلاليته. وها هو الملف الإيراني يتفاعل ويحمل خطر تفجير المنطقة إذا شعرت إيران أن مصالحها تستوجب استعمال أوراقها في لبنان والعراق وفلسطين وسورية. وعندذاك ستعود الأمور إلى ما كانته قبل أشهر, مرحلة صراع مفتوحة على كل الاحتمالات.

أما طموحات ساركوزي لعب الدور الرئيس في الشرق الأوسط فهي مجرد حلم لن يتحقق. ولن تنتهي مغامرة الرئيس الفرنسي الجديدة إلى أي نتائج سوى تسليط الضوء عليه وعلى فرنسا لأيام معدودة. لكن من يدري, ربما يكون هذا هو هدف ساركوزي, الجلوس في دائرة الضوء والاستمتاع بلحظات من الإثارة, حتى ولو على طريقة ليست فرنسية.

[email protected]